الشيخ عباس الريس يشير الاقتباس إلى عدل المشيئة الإلهية، إذ لا يحلّ السخط الرباني إلا بمن استحق العذاب حتماً لفساد عمله وعتوّه، مبيناً أن الذكر الحكيم قد تكرر إنذاره للعباد تحذيراً شديداً من مغبة التعرّض لأسباب هذا المقت في مواضع متفرقة من آياته البينات.
الشيخ عباس الريس قال عليه السلام : [ اللَّهُمَّ فَلَا تُحْلِلْ بِي غَضَبَكَ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَضِبْتَ عَلَيَّ ، فَلَا أُبَالِي سِوَاكَ ، غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي ، فَأَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ ، وَانْكَشَفَتْ بِهِ الظُّلُمَاتُ ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ، أَلَّا تُمِيتَنِي عَلَى غَضَبِكَ ، وَلَا تُنْزِلَ بِي سَخَطَكَ ] . اللُّغَة تحلل : حل بالمكان يحل وحللاً بفك التضعيف ، النزول وهو نقيض الإرتحال وكذلك حل بالقوم وحلهم واحتل بهم واحتلهم باللزوم والتعدية ، فاما أن تكون لغتين كلتاهما وضع ، وإما أن يكون الاصل حل بهم ، ثم حذفت الباء وأوصل الفعل إلى ما بعده فقيل حله ، قال قيس بن الخطيم : ديار التي كانت ونحن على منى تحل بنا لولا نجاء الركائب والحلال بالكسر القوم المقيمون المتجاورون يريد بهم سكان الحرم . غضبت : الغضب نقيض الرضى وقد غضب عليه غضباً ومغضبة وأغضبته أنا فتغضب ، قال إبن عرفة : الغضب من المخلوقين شيء يداخل قلوبهم ومنه محمود ومذموم ، وأما غضب الله فهو إنكاره على من عصاه فيع...
شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام قال عليه السلام : [ إلى مَن تَكِلُني ؟ إلى القَريبِ فَيَقْطَعُني ، أمْ إلى البَعيدِ فَيَتَجَهَّمُني ، أَمْ إلى المُسْتَضْعِفينَ لي ، وَأَنْتَ رَبِّي وَمَليكُ أَمْري ، أَشْكُو إِلَيْكَ غُرْبَتي ، وَبُعْدَ داري ، وَهَواني عَلى مَنْ مَلَّكْتَهُ أَمْري ]. اللُّغَةُ فيتجهمني : جهمه يجهمه إستقبله بوجه كريه ، قال عمران بن الفضفاض الجهني: ولا تجهمنـا أم عمـرو فـإنـمـا بنـا داء ظبـي لـم تخـنـه عـوامـلـه داء ظبي أنه إذا أراد أن يثب مكث ساعة ثم وثب ، وقيل : أراد أنه ليس بنا داء ، كما أن الظبي ليس به داء ، وتجهمه وتجهم له كجهمه المتقدمة إذا إستقبله بوجه كريه. وفي حديث الدعاء ( إلى من تكلني إلى عدوٍ يتجهمني ؟ ) أي يلقاني بالغلظة والوجه الكريه. والجهمة بفتح الجيم وضمها أول مآخير الليل ، وقيل : هو بقية سوادٍ من آخره. قال الشاعر : وفـهـوة صـهـبـاء بـاكـرتـهـا بـجـهـمـة والـديـك لـم يـنـعـب والجهام بالفتح السحاب الذي لا ماء فيه ، وقيل الذي هراق ماءه مع الريح. المستضعفين : الضعف خلاف القوة وقيل : الضعف بالضم في الجسد ، والضعف بالفتح في الرأي والعقل ، و...
الشيخ عباس الريس تفسير هذه المقولة أن النظر في سير الجماعات البشرية وتاريخها يظهر كثرة ما شهدته من حروب طاحنة وصراعات عنيفة، وتوضح أن تلك الظروف تبدل سلوك الإنسان فتجرده من خصائصه الإنسانية، ليصير في بطشه واندفاعه شبيهاً بالسباع المفترسة التي لا تلتزم بخلق ولا تحتكم إلى قيمة. وفي تلك الأحوال، يغيب عن وعيه أي التزام بالمعايير الأخلاقية والقيم الإنسانية، وتتلاشى من نفسه عواطف الرأفة واللين، فيتحول إلى السلوك العنيف مجرداً من كل رحمة أو شفقة.
شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام قال عليه السلام : [ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وأَعِنِّي عَلَى بَوَائِقِ الدَّهْرِ ، وَصُرُوفِ الْأَيَّامِ واللَّيالِي ، وَنَجِّنِي مِنْ أَهْوَالِ الدُّنْيا ، وَكُرُبَاتِ الآخِرَةِ ، وَاكْفِنِي شَرَّ مَا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ فِي الْأَرْضِ ]. اللُّغَة بوائق : جمع بائقة ، والبائقة الداهية ، وداهية بؤوقة شديدة وهي على وزن فعول. وفي الحديث ( ليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ). وفي رواية ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ). قال الكسائي وغيره : بوائقه غوائله وشره أو ظلمه وغشمه ، ويقال للداهية والبلية تنزل بالقوم : أصابتهم بائقة. وفي حديث آخر : ( أللهم إني أعوذ بك من بوائق الدهر ). قال أبو شفيق : تراها عند قبتنا قصيراً وتبذلها إذا باقت بؤوق وقال ابن الإعرابي : يقال باقه يبوق بوقاً إذا جاء بالبوق وهو الكذب. والبوق الباطل أيضاً. صروف : صرفان الليل والنهار، وقوله تعالى : ﴿صَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾ أي بيناها وصروف الليالي والايام ما يحدث فيهما. وقال يونس : الصرف الحيلة ، والصرف : أن تصرف إنساناً عن وجه يريده. والصرفة : منزل من مناز...
الشيخ عباس الريس يوضح النص مراتب الخوف وأثرها العملي في سلوك الإنسان، مبيناً أن الورع يمثل أدنى درجات الخشية المؤثرة في عمل الجوارح، ويتحقق بالكف عن اقتراف المحرمات والمنهيات الصريحة، فإن تعاظم وازع الخوف في القلب واشتد أثره ارتقى المرء إلى ترك الأمور المشتبهات والملتبسات حذراً من الوقوع في الإثم الصراح، وهذا المقام الرفيع هو ما يعبر عنه بالتقوى.
شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام قال عليه السلام : [ اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كَمَا خَلَقْتَني ، فَجَعَلْتَني سَميعاً بَصيراً ، وَلَكَ الحَمْدُ كَمَا خَلَقْتَني فَجَعَلْتَني حَيّاً سَوِيّاً ، رَحْمَةً بي وكُنْتَ عَنْ خَلْقي غَنِيّاً ]. البيان تكرر ذكر الحمد في كثير من عبارات الدعاء وفقراته ، وهو منهاج سار عليه أئمة أهل البيت - عليهم السلام - وتبعهم شيعتهم في هذا المنهاج الذي اختصروا فيه طريقهم إلى الله . ولقد أشرنا في أول هذا الجزء ، كما أشرنا في بداية الجزء الأول إلى الحمد ومعاينة وباختصار أن الخطاب الذي يوجهه العبد إلى الله بهذا الإسلوب المهذب من ثناء وشكر واعتراف بالنعم يكون به من أقرب المقربين إلى الله إذا أخلص شكر النعمة. ولقد طرح الإمام الحسين - عليه السلام - في هذه الفقرة مفاهيم الإعتراف بالنعم بشكل آخر من البيان فقال - عليه السلام - ( اللهم لك الحمد كما خلقتني فجعلتني سميعاً بصيراً ) لأن الإنسان إذا فقد حاسة من حواسه ، وتعطل عملها أصبحت عضواً زائداً ، وكان وجودها وعدمها سواء في جسم الإنسان ؛ لأنه لا فائدة فيه ، وعندما يكرر - عليه السلام - ذكر السمع والبصر ، فإن ذل...
الشيخ عباس الريس يفسر هذا الأثر مراتب الفضيلة وتدرجها، فجعل العلم بمنزلة الحياة لأن به تحيا البصائر وتنقشع ظلمات الجهل، وجعل العمل بمقتضى هذا العلم بمنزلة الضعف، أي المضاعفة والزيادة في أثر تلك الحياة ونفعها، ثم ارتقى إلى الغاية القصوى التي تسمو على الحياة عينها وهي تحقق القبول، أي أن يلقى ذلك العمل قبولا ورضوانا، فالعلم أصل يحيي النفوس، وتطبيقه نماء يضاعفها، والقبول غاية نهائية تتضاءل دونها مقاصد الحياة.
الشيخ عباس الريس قال عليه السلام : [ اللهم اكشف كربتي ، واستر عورتي ، واغفر لي خطيئتي ، واخسأ شيطاني ، وفك رهاني ، واجعل لي يا إلهي الدرجة العليا ، في الآخرة والأولى ]. « اللُّغَة » كربتي : الكرب على وزن الضرب ، الحزن والغم الذي يأخذ بالنفس وجمعه كروب. وكربة الأمر والغم يكربه كرباً. اشتد عليه فهو مكروب والكرائب : الشدائد. والواحدة كريبة قال سعد بن ناشب المازني : - فيال رزام رشحوا مقدماً إلى الموت ، خواضاً إليه الكرائبا عورتي : أصل العورة الخلل في الثغر وغيره والعوار بفتح العين وضمها خرق أو شق في الثوب ، وقيل هو عيب فيه قال ذو الرمة : تبين نسبة المزني لؤماً كما بنيت في الإدم العوارا وفي حديث الزكاة ( لا تؤخذ الصدقة هرمة ولا ذات عوار ) قال ابن الأثير العوار بالفتح العيب. وفي التنزيل العزيز ﴿إن بيوتنا عورة﴾(١) أي ممكنة للسرّاق لخلوها من الرجال فأكذبهم الله عزّ وجلّ فقال : ﴿وما هي بعورة﴾ وقيل : معناه إن بيوتنا عورة أي معورة أي بيوتنا مما يلي العدو ونحن نسرق منها. وقال الجوهري : العورة كل خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب. والعورة كل ممكن للستر وعورة الرجل والمرأة سوأتهما والجمع عور...
الشيخ عباس الريس يقرر هذا القول أن الباحث إذا أمعن النظر في مسببات المصائب والشدائد التي تنزل بالناس في الحياة الدنيا، تبين له أن علتها الأولى وباعثها الأصيل هو إهمال الناس أحكام الدين وتفريطهم في امتثال ما أمر الله به ونهى عنه. فالمحن في هذا التصور نتيجة لازمة للإعراض عن الشرع ومجانبة الهدى، وليست أمراً عارضاً يقع بلا سبب، وكأن الكلام ينبه إلى أن صلاح حال الإنسان في دنياه موصول بالتزامه تعاليم السماء، وأن الغفلة عنها تفضي إلى الابتلاء والضيق.
الشيخ عباس الريس قال عليه السلام : [ اللَّهُمَّ اجْعَلْ غِنَايَ فِي نَفْسِي ، وَالْيَقِينَ فِي قَلْبِي ، وَالْإِخْلَاصَ فِي عَمَلِي ، وَالنُّورَ فِي بَصَرِي ، وَالْبَصِيرَةَ فِي دِينِي ، وَمَتِّعْنِي بِجَوَارِحِي ، وَاجْعَلْ سَمْعِي وَبَصَرِي الْوَارِثَيْنِ مِنِّي ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ ظَلَمَنِي ، وَارْزُقْنِي مَأْرَبِي وَثَارِي ، وَأَقِرَّ بِذَلِكَ عَيْنِي ] . اللُّغَة البصيرة : عقيدة القلب أو إسم لما اعتقد في القلب من الدين وتحقيق الأمن وقيل : البصيرة الفطنة ، تقول العرب : أعمى الله بصائره عن ابن الإعرابي ، وفي حديث ابن عباس أن معاوية لمّا قال لهم : يا بني هاشم تصابون في أبصاركم قالوا له : وأنتم يا بني أمية تصابون في بصائركم . ويقال فعل ذلك على بصيرة أي على عمد . وإنه لبصير بالأشياء أي عامل بها . ويقال للفراسة الصادقة : فراسة ذات بصيرة . والبصيرة العبرة ، قال الشاعر قيس بن ساعدة الأيادي : في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر أي عبّر فبصرت بالشي علمته وعلى هذا المعنى حمل قوله تعالى : ﴿بصرت بما لم يبصروا به﴾(١) . ومتعني : متعه الله وأمتعه بكذا أبقاه ليستمتع به وأمتعه ال...
شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام قال عليه السلام : [ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَخْشَاكَ كَأَنِّي أَرَاكَ ، وَأَسْعِدْنِي بِتَقْوَاكَ ، وَلَا تُشْقِنِي بِمَعْصِيَتِكَ ، وَخِرْ لِي فِي قَضَائِكَ ، وَبَارِكْ لِي فِي قَدَرِكَ ، حَتَّى لَا أُحِبَّ تَعْجِيلَ مَا أَخَّرْتَ ، وَلَا تَأْخِيرَ مَا عَجَّلْتَ ]. اللُّغَة أخشاك : الخشية الخوف ، خشي الرجل خشية أي خاف . ويقال في الخشية : الخشاة ، ويقال : هذا المكان أخشى من ذلك أي أشد خوفاً . وقوله عزّ وجلّ : ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾(١) أي فعلمنا ، قاله الفراء . وقال الزجاج : ( فخشينا ) من كلام الخضر معناه كرهنا ، ولا يجوز ( فخشينا ) عن الله ، والدليل على ذلك قوله : ﴿فأردنا أن يبدلهما ربهما﴾ . وخشيت بمعنى رجوت. أسعدني : السعد اليمن وهو نقيض النحس ، والسعودة خلاف النحوسة ، والسعادة خلاف الشقاوة ، يقال يوم سعد ويوم نحس ، والسعد والسعود كلاهما سعود النجوم وهي الكواكب التي يقال لكل واحد منها سعد كذا ، وهي عشرة أنجم كل واحد منها سعد ، أربعة منها منازل ينزل بها القمر وهي : سعد الذابح ، وسعد بلع ، وسعد السعود ، و...
الشيخ عباس الريس يذهب القائل رحمه الله في بيانه لحقيقة الخوف من الله إلى نفي تصور الجور والقسوة عن الذات الإلهية، معتبراً إياها صفات نقص تليق بضعاف البشر، ليرسي فهماً أعمق يرى فيه أن الخشية الحقيقية إنما هي ارتياب العبد من سوء أفعاله، وتخوفه من عواقب جهله وتفريطه الذي يورده المهالك، خالصاً إلى تقرير حقيقة يقينية مفادها أن هذا الوجل المحمود من عاقبة الذنوب هو عين الطمأنينة التي تسبغ على المؤمن أماناً تاماً وحصانةً تغنيه عن الخشية من أي شيء سواه.
الشيخ عباس الريس قال عليه السلام: [الحمد لله حمداً يعدل حمد ملائكته المقربين، وأنبيائه المرسلين، وصلى الله على خيرته من خلقه محمد خاتم النبيين، وآله الطاهرين المخلصين]. اللغة يعدل: العدل ما قام في النفوس أنه مستقيم وهو ضد الجور، وعدل الحاكم في الحكم يعدل عدلاً، وهو عادل من قوم عدول، وعدل إسم للجمع، وفي أسماء الله - سبحانه - العدل، وهو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، والعدل الحكم بالعدل. والعدل من الناس المرضي قوله وحكمه، ورجل عدل رضاً ومقنع في الشهادة. قال كثير: وبايعت ليلى في الخلاء ولم يكن شهود على ليلى عدول مقانع. وعادلت بين الشيئين، وعدلت فلاناً بفلان إذا سويت بينهما، وقيل هو المثل. قال مهلهل: على أن ليس عدلاً من كليب إذا برزت مخبأة الخدور. والعديل من عادلك من الناس، قاله سيبويه. وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿أو عدل ذلك صياماً﴾ (1) قال العدل ما عادل الشيء من غير جنسه ومعناه: أي فداء ذلك. المقربين: القرب نقيض البعد وقرب الشيء بالضم يقرب قرباً وقرباناً دنا فهو قريب، وقوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب﴾ (2). جاء في التفسير أخذوا من تحت أقدام...
الشيخ عباس الريس يجلي النص حقيقة الإنعام الرباني المتأصل في الوجود الإنساني، مقرراً أن فضل الله ليس أمراً عارضاً بل هو مدد متصل يتقوم به عيش العبد وتنسد به فاقته من المبتدأ إلى المنتهى، وقد استعار للنعمة صفتي اللباس والصبغة مبالغةً في لزومها واستحالة انفكاكها عن المخلوق، ليخلص إلى أن البارئ جل ثناؤه قد أوجد النسمة وقرن بها الإحسان إيجاداً متزامناً، جاعلاً هذا العطاء عهداً أوجبه على ذاته العلية تفضلاً وتكرماً قبل برء الخليقة. #الشيخ_عباس_الريس