مجلس الشيخ عباس الريس

الدراز - البحرين
مقالات مختارة

شذرات من شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام

محتويات المقال

    شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام 



     


    قال عليه السلام : [ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَخْشَاكَ كَأَنِّي أَرَاكَ ، وَأَسْعِدْنِي بِتَقْوَاكَ ، وَلَا تُشْقِنِي بِمَعْصِيَتِكَ ، وَخِرْ لِي فِي قَضَائِكَ ، وَبَارِكْ لِي فِي قَدَرِكَ ، حَتَّى لَا أُحِبَّ تَعْجِيلَ مَا أَخَّرْتَ ، وَلَا تَأْخِيرَ مَا عَجَّلْتَ ].

    اللُّغَة أخشاك : الخشية الخوف ، خشي الرجل خشية أي خاف . ويقال في الخشية : الخشاة ، ويقال : هذا المكان أخشى من ذلك أي أشد خوفاً . وقوله عزّ وجلّ : ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾(١) أي فعلمنا ، قاله الفراء . وقال الزجاج : ( فخشينا ) من كلام الخضر معناه كرهنا ، ولا يجوز ( فخشينا ) عن الله ، والدليل على ذلك قوله : ﴿فأردنا أن يبدلهما ربهما﴾ . وخشيت بمعنى رجوت.

    أسعدني : السعد اليمن وهو نقيض النحس ، والسعودة خلاف النحوسة ، والسعادة خلاف الشقاوة ، يقال يوم سعد ويوم نحس ، والسعد والسعود كلاهما سعود النجوم وهي الكواكب التي يقال لكل واحد منها سعد كذا ، وهي عشرة أنجم كل واحد منها سعد ، أربعة منها منازل ينزل بها القمر وهي : سعد الذابح ، وسعد بلع ، وسعد السعود ، وسعد الأخبية ، وهي في برجي الجدي والدلو . واما الستة الأخرى فلا ينزل بها القمر . والمساعدة المعاونة ، والساعد ملتقى الزندين من لدن المرفق إلى الرسغ ، وجمع الساعد سواعد ، والساعد مجرى المخ في العظام . قال الأعلمي يصف ظليماً : على حت البراية زمخري ... السواعد ظل شري طوال عنى بالسواعد مجرى المخ في العظام.

    بتقواك : ابن برّي : تقى الله تقياً خافه ، والتاء مبدلة من واو ، ووقاه الله وقياً ووقاية ، وواقية ، صانه . قال أبو معقل الهذلي : فعاد عليك إن لكن حظاً ... وواقية كواقية الكلاب ووقيت الشيء إذا صنته عن الأذى . والإسم التقوى ، والتاء بدل من الواو ، وقوله تعالى : ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً﴾(٢) قالوا في تأويله : إني أعوذ بالله فستتعظ بتعوذني بالله منك . وقال تعالى : ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾(٣) ، وقد تقى نقى . وقال ابن الإعرابي : التقاة والتقية والتقوى والإتقاء كله واحد.

    ولا تشقني : الشقاء والشقاوة ضد السعادة ، يمد ويقصر . وفي التنزيل العزيز : ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾(٤) قال الفراء : وهي كثيرة في الكلام . وفي الحديث : ( الشقي من شقى في بطن أمه ) . والشقاء الشدة والعسرة . ومعنى الحديث أن من قدر الله عليه في أصل خلقته أن يكون شقياً فهو الشقي على الحقيقة ؛ لأن من عرض له الشقاء بعد وهو إشارة إلى شقاء الآخرة لا الدنيا.

    البيان في هذه الفقرة بدأ بالسؤال من الله تعالى لنيل الكمال الإنساني، ولقد كان هذا الكمال لا يناله الإنسان إلا من الله ؛ لأنه إرادة منه . وهذا الكمال يتمثل في صفات معروفة لدى المرتبطين بالله ذلك الإرتباط الوثيق كالحسين - عليه السلام - . فالخشية كما ذكرنا في فصل اللغة هي الخوف ، ولكنها بحسب السياق في عبارة الدعاء ، وبحسب القرائن الموجودة ليست مجرد الخوف ، فهناك فوارق تلتمس بين الخشية من الله وبين الخشية من الناس فمنها:

    أولاً : أن الخشية من الله - تبارك وتعالى - هي عبادة ؛ لأن الله قد أمر بها ، وقد نوّه القرآن في كثير من الآيات بهذا المعنى قال تعالى : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾(٥) ، وقال تعالى : ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ، وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾(٦) ، وقال تعالى : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾(٧) . فالآيات كما ترى دالة على أن الخشية من الله هي عبادة ، بل هي العبادة بعينها ، فإنه لا يمكن أن يكون الإنسان مؤمناً حتى يخشى ، فان حركة الانضباط بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والله لا بد وأن ... ومقاييس يعرف بها الصادق من الكاذب . إذا سالت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى وحك التبر يظهر كل غش ... وعند السبك يعرف ذا وذاكا (٨).

    وكما هو صريح الآية الأولى من الثلاث ان خشية العلماء من الله يعني هي العبادة الأتم التي تبنى عليها الصلات بين الله والعبد ، ولكن ليس معنى ذلك أن غير العلماء لا يخشى الله ، ولكن خشية العلماء العارفين بالله أكثر من غيرهم ، وكلما زادت المعرفة به - سبحانه - تجلت هيبته في نفوس العارفين وزادت خشيته في قلوبهم ، وهذا نظير ما جاء في الحديث الشريف ، عن النبي - صلى الله عليه وآله - ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) أي لا صلاة كاملة الفضل لمن صلّى في بيته وهو جار المسجد.

    ثم ان الخوف من الله ليس معناه الخوف من ظلمه وقسوته فإن هذا شأن العباد الضعفاء المحتاجين إلى ذلك . أما الخوف منه - سبحانه - فمعناه ان العبد يخاف من سوء فعله وإساءته وإسرافه على نفسه ودوام تفريطه وجهالته وهذا من شأنه أن يرديه في مهاوي الردى . كما أنه من المعلوم أن الخوف من الله هو أمان من كل ما سواه.

    ثانياً : أما الخشية من الناس فإنها تختلف عن الخشية من الله فالخشية من الله والخوف منه أمان للإنسان من جميع المخاوف ، وأمان لغيره منه . أما الإنسان فإنه ليس له ضوابط معينة للخوف من الإنسان كما هو الخوف من الله فإن الإنسان له نفس أمارة بالسوء وله شيطان قرين يستميله إلى الإعتداء والإنتقام . فهو يغضب وربما لم يكن في أوقات الغضب ، وينتقم وربما لا يكون حال الإنتقام ، فهو متى ما أراد فعل ما يريد تبعاً للهوى وشهوات النفس . فمثل هؤلاء لا شك أن الإنسان يخشاهم ويخافهم ؛ لانهم بعدوا عن المقاييس ، فربما أخذوا البريء بالمذنب ، وخلطوا الحابل بالنابل ، ومع ذلك فإن الله قد نهى عن خشية هؤلاء ، وذلك لاستلزامه عدم الخشية من الله . قال تعالى : ﴿فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله﴾(٩) وقوله تعالى : ﴿فلا تخشوهم واخشون ، ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون﴾(١٠).

    ثالثاً : إن الخشية قد تأتي بمعنى الخوف المجرد من الأسباب التي تدعو إليه ، وذلك ضمن تأملات وتخيلات وأوهام تعتري الإنسان من دون حقيقة تدعو إليه ، وهذه الحال تعتري ضعاف العقول ، وذوي النفوس المريضة الذين تكون خشيتهم لا ترجع إلى تفسير أو تأويل ، فمثل هؤلاء يرون الخيال حقيقة ويرون الباطل حقاً ، ويرون العدم وجوداً . وهذا النوع من الخوف لا يندرج تحت أي عنوان من عناوين الخوف لأنه مفقود السبب فهو وإن كان موجوداً في بعض النفوس - كما قلنا - إلّا أنه مسبب بدون سبب ومعلول بغير علة.


    الهوامش :

    (١) سورة الكهف ، آية : ٨٠. (٢) سورة مريم ، آية : ١٨. (٣) سورة آل عمران ، آية : ٢٨. (٤) سورة المؤمنون ، آية : ١٠٦. (٥) سورة فاطر ، آية : ٢٨. (٦) سورة المائدة ، آية : ٤٤. (٧) سورة النور ، آية : ٥٢. (٨) هذا البيت من تذييل المؤلف. (٩) سورة النساء ، آية : ٧٧. (١٠) سورة البقرة ، آية : ١٥٠.


    الردود والتعليقات (0)

    لا توجد ردود بعد على هذا المقال. كن أول من يشارك برأيه أو تعليقه!

    أضف رداً على المقال