مجلس الشيخ عباس الريس

الدراز - البحرين
مقالات مختارة

شذرات من شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام

محتويات المقال

    الشيخ عباس الريس 


    قال عليه السلام :

    [ اللَّهُمَّ اجْعَلْ غِنَايَ فِي نَفْسِي ، وَالْيَقِينَ فِي قَلْبِي ، وَالْإِخْلَاصَ فِي عَمَلِي ، وَالنُّورَ فِي بَصَرِي ، وَالْبَصِيرَةَ فِي دِينِي ، وَمَتِّعْنِي بِجَوَارِحِي ، وَاجْعَلْ سَمْعِي وَبَصَرِي الْوَارِثَيْنِ مِنِّي ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ ظَلَمَنِي ، وَارْزُقْنِي مَأْرَبِي وَثَارِي ، وَأَقِرَّ بِذَلِكَ عَيْنِي ] .

    اللُّغَة

    البصيرة : عقيدة القلب أو إسم لما اعتقد في القلب من الدين وتحقيق الأمن وقيل : البصيرة الفطنة ، تقول العرب : أعمى الله بصائره عن ابن الإعرابي ، وفي حديث ابن عباس أن معاوية لمّا قال لهم : يا بني هاشم تصابون في أبصاركم قالوا له : وأنتم يا بني أمية تصابون في بصائركم . ويقال فعل ذلك على بصيرة أي على عمد . وإنه لبصير بالأشياء أي عامل بها . ويقال للفراسة الصادقة : فراسة ذات بصيرة . والبصيرة العبرة ، قال الشاعر قيس بن ساعدة الأيادي : في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر أي عبّر فبصرت بالشي علمته وعلى هذا المعنى حمل قوله تعالى : ﴿بصرت بما لم يبصروا به﴾(١) .

    ومتعني : متعه الله وأمتعه بكذا أبقاه ليستمتع به وأمتعه الله بكذا ومتعه بمعنى واحد وفي التنزيل : ﴿وأن استغفروا ربكم وتوبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى﴾ . أي يبقيكم في عافية إلى وقت وفاتكم ، ومتعة المرأة ما وصلت به بعد الطلاق والمتعة بضم الميم وكسرها العمرة إلى الحج والمتعة أيضاً التمتع بالمرأة لا تريد إدانتها لنفسك ، وهي سائغة في دين الإسلام .

    بجوارحي : جوارح الإنسان أعضاؤه وعوامل جسده كيديه ورجليه واحدتها جارحة لأنهن يرجحن الخير والشر أن يكسبنه والجوارح من الطير والسباع والكلاب : ذوات الصيد لأنها تجرح لأهلها أي تكسب لهم الواحدة جارحة ، فالبازي جارحة ، والكلب الضاري جارحة . قال الأزهري سميت بذلك لأنها من قولك جرح واجترح ، قال تعالى : ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾(٢) . وقال تعالى : ﴿قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾(٣) .

    مأربي : الإربة والإرب والمأرب كله بمعنى واحد قال تعالى : ﴿ولي فيها مآرب أخرى﴾(٤) . وقال تعالى : ﴿أو ما ملكت أيمانهم أو التابعين غير أولي الإربة﴾(٥) . والأرب هو الدهاء والبصر بالأمور وهو من العقل ، ومنه الأريب أي ذو نهى وبصر . قال قيس بن الخطيم : أربب بدفع الحرب لما رأيتها على الدفع لا تزداد غير تقارب وفي الحديث قالت قريش لا تعجلوا في الفداء لا يأرب عليكم محمد وأصحابه أي يتشددون عليكم فيه . يقال أرب الدهر يأرب إذا اشتد .

    ثاري : الثأر الطلب بالدم وقيل الدم نفسه وقيل الثأر قاتل حميمك ، قال الأصمعي : أدرك ثؤورته إذا أدرك من يطلب ثأره ويقال ثأرت القتيل وبالقتيل ثأراً وثؤورة فأنا ثائر أي قتلت قاتله قال الشاعر : شفيت به نفسي وأدركت ثؤرتي بني مالك هل كنت في ثؤرتي نكسا والثائر الذي لا يبقى على شيء حتى يدرك ثأره وثأر به طلب دمه . وقال الجوهري : يا ثارات فلان أي يا قتلته ، وقال أيضاً الثأر المنيم الذي إذا أصابه الطالب رضي به فنام بعده .

    أقر : القر البرد عامة بالضم وقال بعضهم : البرد في الشتاء والصيف يقال : هذا يوم ذو قر أي ذو برد وقال ابن السكيت : القرور الماء البارد يغسل به . ومنه قول الحسن بن علي - عليه السلام - في جلد الوليد ابن عقبة : ولّ حارّها من تولى قارّها وقيل لرجل ما نشر أسنانك ؟ فقال أكل الحار وشرب القار ، وليلة قرّة وقارّة أي باردة والقر دموع باردة تخرج من عيني الإنسان عند شدة الفرح واختلفوا في اشتقاق ذلك ، فقال ابن سيدة : قرت عينه تقر معناه بردت وانقطع بكاؤها واستحرارها بالدم فإن للسرور دمعة باردة وللحزن دمعة حارة وقيل هو من القرار ، أي رأت ما كانت متشوقة إليه فقرت ونامت ، وقال أبو طالب : أقر الله عينه أنام الله عينه ، والمعنى صادف سروراً يذهب سهره فينام وأنشد : أقر به سواليك العيونا أي نامت عيونهم لما ظفروا بما أرادوا وقوله تعالى : ﴿فكلي واشربي وقري عيناً﴾(٦) . قال الفرّاء جاء في التفسير أي طيبي نفساً ، قال : وإنما نصبت العين لأن الفعل كان لها فصيرته للمرأة ، معناه لتقر عينك ، فإذا حوّل الفعل عن صاحبه نصب صاحب الفعل .

    البيان

    شرع في هذه الفقرة في الطلب من الله لتهذيب النفس التي ترفع الإنسان إلى الملأ الأعلى فقال : ( اللهم اجعل غناي في نفسي والمعروف من ذلك أن غنى النفس هو عدم النظر إلى ما عند الغير ، وغض الطرف عمّا أنعم الله به على الآخرين من الناس . وبمعنى آخر هو الإبتعاد بالنفس عن الطمع والجشع والحسد وسائر النزعات الخبيثة التي تدفع الإنسان إلى مزالق الهلكة ، وتوقعه في مهاوي الردى .

    وغنى النفس الذي أشار إليه - عليه السلام - بمعنى آخر هو القناعة التي يكون الفقير بها غنياً ، ويكون بها الصعلوك ملكاً ، فإن عدم مدّ الأعناق إلى غير ما قسم الله للإنسان ورزقه من الخير يجعله ذليلاً وإن كان عزيزاً ، فالقانع هو الذي يرضى بما رضي الله له من الرزق ويرى القليل كثيراً .

    وقد ورد في المأثور أن من رضي من الله بقليل من الرزق رضي الله منه بالقليل من العمل .

    على أن النفس الإنسانية لو نظرنا إليها بصورة جدية لوجدنا أنها عامل من جملة العوامل التي تلح على الإنسان في مجال المعصية ، وإلا فإن العوامل التي تؤثر على الإنسان تختلف باختلاف البيئات والعصور . فالمؤثرات الخارجية من مظاهر الحياة المتطورة والمتهورة تمارس الضغوط على الإنسان فتجعله بين شقي الرحى ، إلا ان المضاد الذي أعطي للإنسان للتغلب على هذه العوامل الداخلية والخارجية تجعله بفضل الله ورعايته ، يكون في حصن حصين من كل ما يخاف ويحذر .

    وإذا نظرنا ملياً إلى أسباب المحن والبلاء في هذه الدنيا وجدنا أن الدافع الأساس لذلك هو عدم مراعاة الجوانب الدينية والاوامر الإلهية ، فيلقي الإنسان لنفسه الحبل على الغارب مع علمه بأن النفس بهذا المستوى هي ما أشار إليها القرآن في قوله تعالى : ﴿وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾(٧) ، ومع علمه أيضاً بأن الأوامر والنواهي الإلهية لا تعدو مصلحة الإنسان .

    فقوله ـ عليه السلام ـ : ( إجعل غناي في نفسي ) يعني إجعلني بما قسمت لي من الرزق ، وأسلم بما قدرت عليّ .

    (١) سورة طه ، آية : ٩٦ . (٢) سورة هود ، آية : ٣ . (٣) سورة الأنعام ، آية : ٦٠ . (٤) سورة المائدة ، آية : ٤ . (٥) سورة طه ، آية : ١٨ . (٦) سورة النور ، آية : ٣١ . (٧) سورة مريم ، آية : ٢٦ .


     

    الردود والتعليقات (0)

    لا توجد ردود بعد على هذا المقال. كن أول من يشارك برأيه أو تعليقه!

    أضف رداً على المقال