![]() |
| شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام |
قال عليه السلام : [ إلى مَن تَكِلُني ؟ إلى القَريبِ فَيَقْطَعُني ، أمْ إلى البَعيدِ فَيَتَجَهَّمُني ، أَمْ إلى المُسْتَضْعِفينَ لي ، وَأَنْتَ رَبِّي وَمَليكُ أَمْري ، أَشْكُو إِلَيْكَ غُرْبَتي ، وَبُعْدَ داري ، وَهَواني عَلى مَنْ مَلَّكْتَهُ أَمْري ]. اللُّغَةُ فيتجهمني : جهمه يجهمه إستقبله بوجه كريه ، قال عمران بن الفضفاض الجهني: ولا تجهمنـا أم عمـرو فـإنـمـا بنـا داء ظبـي لـم تخـنـه عـوامـلـه داء ظبي أنه إذا أراد أن يثب مكث ساعة ثم وثب ، وقيل : أراد أنه ليس بنا داء ، كما أن الظبي ليس به داء ، وتجهمه وتجهم له كجهمه المتقدمة إذا إستقبله بوجه كريه. وفي حديث الدعاء ( إلى من تكلني إلى عدوٍ يتجهمني ؟ ) أي يلقاني بالغلظة والوجه الكريه. والجهمة بفتح الجيم وضمها أول مآخير الليل ، وقيل : هو بقية سوادٍ من آخره. قال الشاعر : وفـهـوة صـهـبـاء بـاكـرتـهـا بـجـهـمـة والـديـك لـم يـنـعـب والجهام بالفتح السحاب الذي لا ماء فيه ، وقيل الذي هراق ماءه مع الريح. المستضعفين : الضعف خلاف القوة وقيل : الضعف بالضم في الجسد ، والضعف بالفتح في الرأي والعقل ، وقيل : هما معاً جائزان في كل وجه ، وفي التنزيل قال تعالى : ﴿الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ، ثم جعل من بعد قوة ضعفاً﴾ (1). قال قتادة : خلقكم من ضعف قال من النطفة أي من المني ، ثم جعل من بعد قوة ضعفاً الهرم ، واستضعفه وتضعفه وجده ضعيفاً فركبه بسوء قال الشاعر: عليكم بـربـعـي الـطـعـان فـإنـه أشق على ذي الـرثـيـة المتضعف وفي الحديث : إتقوا الله في الضعيفين. مليك : المليك مبالغة في الملك ، وهو من أسماء الله تبارك وتعالى ، ومليك الخلق أي ربّهم ومالكهم. وفي التنزيل : ﴿مالك يوم الدين﴾ (2). وفي إحدى القراءات ﴿ملك يوم الدين﴾. وكل من يملك فهو مالك ؛ لأنه بتأويل الفعل مالك الدراهم ومالك الثوب ومالك يوم الدين ، وقوله تعالى : ﴿فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ...﴾ الخ (3) معناه تنزيه الله عن أن يوصف بغير القدرة ، وملكوت كل شيء أي القدرة على كل شيء ، وملوك النحل يعاسيبها التي تقتادها واحدها مليك. قال أبو ذؤيب الهذلي: وما ضرب بيضاء يأوي مليكها إلى طنف أعيا بـراق ونازل يريد يعسوبها ، ويعسوب النحل أميره. أشكو : شكى الرجل أمره يشكو شكواً ، وشكوى وشكاوة وشكاية كلها بمعنى واحد ، لأن أكثر مصادر فعاله من المعتل انما هو من قسم الياء نحو الجراية والوصاية. وشكوت فلاناً إذا أخبرت عنه بسوء فعله بك ، ويقال : هو شاكٍ مريض والاشكو هو المرض نفسه قال الشاعر: أخي إن تشكى من أذىً كنت طبه وإن كان ذاك الشكو بي فأخي طبي ورجل شاكي السلاح إذا كان ذا شوكة ، والمشكاة في قوله تعالى : ﴿كمشكاة فيها مصباح﴾ (4) قال الزجاج هي الكوة. غربتي : الغرب الذهاب والتنحي عن الناس ، وأغربه نحّاه. وقالوا فيما روي عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ إنه أمر بتغريب الزاني سنة إذا لم يحصن وهو نفيه عن بلده ، وفيه غرابة. والغرب النوى والبعد ، ويقال : غرب في الأرض وأغرب إذا أمعن فيها. قال ذو الرمّة : أدنى تقاذفه التغريب والخبب وأغرب القوم أنتووا من النوى وهو البعد. وقالوا هل أطرفتـنا من مغربة خبراً ، أي هل من خبر جاء من بعد. والإغتراب والتغرب كذلك ، وغريب : بعيد عن وطنه ، والجمع غرباء والأنثى غريبة قال الشاعر: إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة سهيل أذاعت عزلها في الغرائب واغترب الرجل نكح في الغرائب ، وتزوج إلى غير أقاربه. وفي الحديث ، ( إغتربوا لا تضووا ) أي لا يتزوج الرجل القرابة القريبة. وقال الشيخ عبد الحسين الحلي في قصيدة له بعنوان الوطن: إن الغريب وإن عزت مكانته هيهات ينفك عن وجد وعن حزن إني لأعذل من يبكي على أحدٍ ولى وأعـذر مـن يبكي على وطن مـال الـنفـوس بـلا أوطانـهـا ثـمـن وليس للوطن المحبوب من ثمن وهواني : الهون الخزي ، وفي التنزيل العزيز : ﴿فأخذتهم صاعقة العذاب الهون﴾ (5) أي ذي الخزي. والهون بالضم الهوان. والهون والهوان نقيض العز ، هان يهون هواناً ، وهو هين ، وأهون. قال تعالى : ﴿وهو أهون عليه﴾ (6) أي كل ذلك هين عليه ، وأهانه وهونه واستهان به ، وتهاون به استخف به ، والإسم الهوان ، والهون بالضم الهوان ، والهون بالفتح الرفق. قال الشاعر : مررت على الوديعة ذات يوم تهادى في رداء المرط هونا وبهذا نطق الكتاب العزيز في قوله (عزّ وجلّ) : ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً﴾ (7) قال عكرمة ومجاهد : بالسكينة والوقار ، ويمشي الهوينا تصغير الهونى تأنيث الأهون. البيان تحدثنا فيما سبق عن الفرق بين التوكل والتواكل ، وقلنا : بأن التوكل على الله في حدود الإنضباط الشرعي ومعنى ، ذلك إلا يبلغ الإنسان إلى درجة الإهمال في أموره. وأما التواكل فهو أن يلقي الإنسان كلّه على الناس من أمثاله الذين ليس لهم حول ولا قوة ، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. وإذا كان الناس جميعاً في مستوى واحد من الضعف أمام قدرة الخالق فلا فرق إذا بين أن يلقي الإنسان كلّه على القريب أو البعيد. أما القريب فبإعتبار الصلات والوشائج بين السائل والمسؤول فقد يقيض البقاء على هذه السيرة لمدة معينة ثم لا تلبث أن تتلاشى ثم لا تلبث أن تنقطع ثم لا تلبث أن تنسى. وقد أشار عليه السلام إلى ذلك بقوله : ( إلى من تكلني ؟ إلى القريب فيقطعني ؟ ) والقطيعة من القريب هو قاصمة الظهر وأم المشاكل التي تنبعث منها فتهدم البيوت والأسر والقبائل والمجتمعات بلا فرق وإلى هذا أشار طرفة بقوله: فـمـا لـي أراني وابن عمي مالكاً متى أدن منه ينأ عني ويبـعـدِ يلوم وما أدري علام يلومني كمـا لامـنـي في الحي قرط ابن معبدِ وآيسـني مـن كـل خـيـر طلـبتـه كـأنـا وضعـنـاه إلى رمس ملـحـدِ على غـيـر ذنب قلتـه غـيـر أنني نشدت فلم أغفل حـمـولـة معـبـدِ وإن يقذفوا بالـقـذع عرضـك أسـقهـم بكـأس حيـاض المـوت قبل التـهـددِ فـلو كـان مـولاي أمـراً هـو غـيـره لفـرج كـربي أو لأنـظـر في غـدي وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهندِ وبهذا الإعتبار حث الشرع الشريف على صلة الارحام ، وجعلها من أهم المكونات الإجتماعية والعلاقات الإنسانية في هذه الحياة ، وجعل الثواب على صلتها عاجلاً وآجلاً في الدنيا والآخرة ، ووضع العقاب على قطيعتها كذلك. وقد مرّ بعض من هذا في بحث سابق من الكتاب. وأما البعيد فإنه من الأولى أن تحدث منه القطيعة بل هي موجودة فعلاً بين البعيد والبعيد. فإن الإنسان وإن كان بطبعه إجتماعياً إلا إن له نزعات تراوده وتميل به عن فعل الخير وهو بطبيعته عدو ما أنكره ، فلا غرو إذاً إذا تجهم البعيد لآخر مثله. ويلوح من قوله ـ عليه السلام ـ : ( أم إلى البعيد فيتجهمني ) بلحاظ اللغة أن البعيد الذي لا يعرفك لا يعطيك شيئاً ولا يلبي لك طلباً إلا بعد فترة تأمل وأناة تعيشها في سأم وملل ، وبذلك يمن عليك فيما يعطيك ويلبي من طلباتك ؛ لأن المؤثرات الخارجية والداخلية تمنع الإنسان من فعل الخير ولو بنسبة قليلة. وفي لغة التجهم معنىً أعمق وأكثر تركيزاً من كلمة ( الإعراض ) ، و ( التقطيب ) ، وهي ـ كما يلوح من المعنى اللغوي السابق من الشواهد المعروضة والأقوال المذكورة ـ أنه لا يقوم في مقامها لفظ آخر مما ذكرنا ؛ وذلك لأن التجهم إعراض فيه إحتقار للسائل وتطاول عليه ، وهذا ما ركز عليه في العبارة المطروحة أمام البحث بحسب القرائن الموجودة قبل هذه الكلمة وبعدها. ثم يقول ـ عليه السلام ـ : ( أم إلى المستضعفين لي ) والمستضعف بكسر العين هو الذي يحتقر غيره ويعتدي عليه ، والمستضعف بفتح العين هو المحتقر بفتح القاف، والمعتدى عليه، والذي يبدو ضعيفاً أمام المستضعف بكسر العين. ولقد اقتضت الطبيعة البشرية منذ أن خلق الله الإنسان على وجه الأرض أن يحدث مثل هذا ، وتكون سنة الحياة إذا ما زاولت نشاطاً أن يكون هناك مستضعف ومستكبر. وقد تعرض لهذه الظاهرة في طبيعة الإنسان التنزيل العزيز فقال تعالى : ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً﴾ (8) وقوله تعالى : ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين﴾ (9) وقوله تعالى : ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً﴾ (10) وفي هذه الآيات إشارات واضحة إلى هذه الظاهرة الموجودة في كيان الإنسان وقد إهتم بها إهتماماً بالغاً. والقرآن ليس كسائر الكتب التي تعرض المشاكل وتعلقها بدون حل ناجع ، ولكنه يطرح المشكلة ثم يطرح إلى جانبها الحل. وعندما يعالج القرآن المشاكل الإنسانية بهذا الشكل المهذب فإنه يحذر في الوقت نفسه الإنسان من الإرتطام في مثل هذه المعضلات التي يقف أمامها العقل حائراً مبهوتاً لا يعرف لها حلا. وفي ظل الآيات المتقدمة ندرك أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يعدّ الجهل بالدين وكل ممنوعية عن إقامة شعائر الدين ظلماً لا يناله العفو الإلهي ، ثم يستثني من ذلك المستضعفين ويقبل منهم معذرتهم بالإستضعاف ، ثم يعرّفهم بما يعمهم وغيرهم من الوصف ، وهو عدم تمكنهم مما يدفعون به المحذور عن أنفسهم ، وهذا المعنى كما يتحقق في من أحيط به في أرض لا سبيل فيها إلى تلقي معارف الدين لعدم وجود عالم بها خبير بتفاصيلها ، أو لا سبيل إلى العمل بمقتضى تلك المعارف بالتشديد فيه بما لا يطاق من العذاب مع عدم الإستطاعة من الخروج والهجرة إلى دار الإسلام ، والإلتحاق بالمسلمين لضعف في الفكر أو لمرض أو نقص في البدن ، أو لفقر مالي ونحو ذلك ، كذلك يتحقق في من لم ينتقل ذهنه إلى حق ثابت في المعارف الدينية ، ولم يهتد فكره إليه مع كونه ممن لا يعاند الحق ولا يستكبر عنه أصلاً ، بل لو ظهر عنده حقاً إتبعه ، لكن خفي عنه الحق لشيء من العوامل المختلفة الموجبة لذلك. فهذا مستضعف لا يستطيع سبيلاً ، لا لأنه أعيت به المذاهب لكونه أحيط به من جهة أعداء الحق والدين بالسيف والسوط ، بل إنما استضعفته عوامل أخرى سلطت عليه الغفلة ، ولا قدرة مع الغفلة ولا سبيل مع هذا الجهل. ويظهر هنا أيضاً أن المستضعف صفر الكف لا شيء له ولا عليه لعدم كسبه أمراً ، بل أمره إلى ربّه ـ كما هو ظاهر قوله تعالى بعد آية المستضعفين ﴿فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفواً غفوراً﴾ (11) وقوله تعالى : ﴿وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم﴾ (12) ورحمته سبقت غضبه (13). أما آية القصص المتقدمة وهي قوله تعالى : ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ..﴾ الآية فقد ورد في تفسيرها عن أهل البيت الطاهر روايات كثيرة. فمنها ما ورد في معاني الأخبار بإسناده عن محمد بن سنان ، عن المفضل بن عمر قال سمعت أبا عبدالله ـ عليه السلام ـ يقول : إن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ نظر إلى علي والحسن والحسين ـ عليهم السلام ـ فبكى وقال : أنتم المستضعفون بعدي. قال المفضل : فقلت له ما معنى ذلك ؟ قال : معناه أنكم الأئمة بعدي إن الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول : ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين﴾ فهذه الآية جارية فينا إلى يوم القيامة .. ويظهر من المعاني التي تعرضت لها الآيات السابقة أن المجتمعات الإنسانية ـ كما أسلفنا ـ تتأرجح بين مستكبر ومستضعف ؛ وذلك لتغلب بعض نزعات الشر في الإنسان على نزعات الخير لعامل أو لآخر داخلي أو خارجي مما يجعلها تترك الآثار السلبية على حياة الناس عامة. وإذا أوغلنا في القدم وجدنا أن هذه الشنشنة قد واكبت حياة الناس منذ الأيام الأولى من عمر قابيل وهابيل حيث قتل أحدهما الآخر لا لذنب مقترف ، وإنما هي نزعة الشر في الإنسان. وبعد التأمل في معنى الآيات الشريفة المتقدمة خصوصاً ما ورد عنهم ـ عليهم السلام ـ في تفسير آية القصص يظهر لك المعنى المقصود من كلامه ـ عليه السلام ـ في الفقرة المطروحة بين يدي هذا البحث. ثم قال ـ عليه السلام ـ : ( وأنت ربّي ومليك أمري ) ولقد جاء خطابه هذا بعد ذكر الإستضعاف ؛ لأنه يريد أن يقول : إني ألجأ إليك لأني ضعيف بين يديك فأنت الذي تملك نفسي وتدبرني كيف ما تريد ، أما المستضعفين ( بكسر العين ) فإني وإن شعرت بالضعف أمامهم إلا أني أطلب منك الروح والفرج وإليك الملجأ ، وكل من لجأ إليك لم يخب ، ومما جرى على شفتي في هذا المعنى: ألجأت أمري إلى ربي وفي أملي ألا يخيب ظني فهو خـلاقـي فالكل يفنى ولا يبقى وما برحت يداه للخير فهو الدائم الـبـاقـي يا رازق الخلق من بدو ومن حضر هب لي عطاياك خلاقي ورزاقي ويقول علماء البلاغة إن تقديم المسند إليه ( أنت ) على المسند ( ربي ) يقتضي التخصيص وبهذا المعنى فقد خصصه في خطابه إليه بالربوبية. أما ( مليك ) الواردة في الفقرة فهي مبالغة في المالك ، ومعناه الدائم الملك الذي لا يزول. ثم انتقل ـ عليه السلام ـ إلى الشكوى إلى الله بعد أن سلم إليه أمره واعترف له بالضعف أمام القوة القاهرة فقال ـ عليه السلام ـ : ( أشكو إليك غربتي ، وبعد داري ، وهواني على من ملكته أمري ) وهذه الشكاوي الثلاث كل منها لها إحتمالات ترد على ذهن الفطِن اللبيب. أما الشكوى من الغربة فيحتمل: 1 - أن يقصد بالغربة كونه في مجتمع بعيد عن المفاهيم الإسلامية الحقة ، والتي قد إنصهر فيها في مثل ذلك الموقف. فإن الإنسان يعد غريباً في مجتمعه أو في بلده إذا لم يقم له وزناً. ولقد جاء في تفسير قوله تعالى : ﴿لأعذبنه عذاباً شديداً ...﴾ الآية (14) ، فإنه على أحد التفاسير قيل بأن يجعله بين أضداده ، وهو مروي عن ابن عباس. وورد أيضاً أنه أمر بحبسه مع الحدأة في قفص واحد. ومما يؤثر عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ في المتواتر : ( أربعة في الدنيا غرباء .. ثم عدّ منها العالم إذا ضاع علمه بين جهال قومه ) ، وعيش الإنسان مع قوم هو ليس منهم وهم ليسوا منه لا يستطيع أن ينسجم معهم على تلك الحال مهما كان فيه من اللباقة واللياقة. 2 - ويحتمل أن يقصد بالغربة موقفه بين يدي ربّه يوم القيامة وهو موقف تذهل فيه العقول وتقل فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ويتحير فيه اللبيب ، وبذلك يجد نفسه الإنسان غريباً ؛ لأن من حوله من أبناء البشر كل منهم مشغول بنفسه ، فالإنسان يكون في ذلك الموقف بعيداً من كل أحد إلا من شيء واحد هو العمل الذي يصاحب الإنسان إلى نهاية المطاف ، فإما أن يوصله إلى الجنة أو يوصله إلى النار. 3 - ويمكن أن يكون المقصود بالغربة هو الموقف المتباين بينه وبين بقية الموجودين في عرفه فهو يدعو الله وملؤه الخوف والرجاء وبذلك يتسامى في دعائه وتضرعه عن الناس وذلك لتفاوت المعرفة بينهم وبينه. وهناك إحتمالات ربما ترد مع ما تقدم أعرضنا عنها خوف الإطالة وأما الشكوى من بعد الدار فإنه يحتمل فيه أمران:
واما الهوان المقصود من كلامه فله إحتمالات أخرى منها: 1 - عدم معرفته كإمام مفترض الطاعة بيده الحل والعقد من أزمة الأمور ، وجهل قدره بين الناس الذين يعايشهم ، ومن جهله فقد ظلمه. 2 - ويمكن أن يقصد من ذلك كما يلوح من أفق هذه العبارة هو أن السلطة الدنيوية الشكلية ليست في يده. ومن المعروف أن الأنبياء والرسل والأئمة كلهم قد ابتلوا بأعداء يناهضونهم ويبتزونهم الحقوق التي فرضها الله لهم. وقد تطرقنا إلى هذا الموضوع بشيء من التفصيل في الجزء الأول من الكتاب ليرجع إليه من أحب ذلك ، وربما يكون للحديث صلة. |

الردود والتعليقات (0)
أضف رداً على المقال