![]() |
| شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام |
قال عليه السلام : [ اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كَمَا خَلَقْتَني ، فَجَعَلْتَني سَميعاً بَصيراً ، وَلَكَ الحَمْدُ كَمَا خَلَقْتَني فَجَعَلْتَني حَيّاً سَوِيّاً ، رَحْمَةً بي وكُنْتَ عَنْ خَلْقي غَنِيّاً ].
البيان تكرر ذكر الحمد في كثير من عبارات الدعاء وفقراته ، وهو منهاج سار عليه أئمة أهل البيت - عليهم السلام - وتبعهم شيعتهم في هذا المنهاج الذي اختصروا فيه طريقهم إلى الله . ولقد أشرنا في أول هذا الجزء ، كما أشرنا في بداية الجزء الأول إلى الحمد ومعاينة وباختصار أن الخطاب الذي يوجهه العبد إلى الله بهذا الإسلوب المهذب من ثناء وشكر واعتراف بالنعم يكون به من أقرب المقربين إلى الله إذا أخلص شكر النعمة.
ولقد طرح الإمام الحسين - عليه السلام - في هذه الفقرة مفاهيم الإعتراف بالنعم بشكل آخر من البيان فقال - عليه السلام - ( اللهم لك الحمد كما خلقتني فجعلتني سميعاً بصيراً ) لأن الإنسان إذا فقد حاسة من حواسه ، وتعطل عملها أصبحت عضواً زائداً ، وكان وجودها وعدمها سواء في جسم الإنسان ؛ لأنه لا فائدة فيه ، وعندما يكرر - عليه السلام - ذكر السمع والبصر ، فإن ذلك التكرار يدل على الأهمية الكبرى لهاتين الحاستين كما أشرنا إلى ذلك في مطاوي الأبحاث السابقة من الكتاب.
ثم نراه أيضاً يكرر هذا اللفظ مرة ثانية ليؤكد على نعمة الخلق والإيجاد التي هي من أولى النعم وأولاها من الله وأعظمها فنراه يقول - عليه السلام - : ( ولك الحمد كما خلقتني فجعلتني حياً سوياً ) ، والسوي هو المتكامل الذي لا نقص فيه ولا عيب في خلقه كما يلوح من أفق العبارة المحفوف بالقرائن.
والحياة كما هو معلوم إنها نقيض الممات ، وهي بحسب اللغة عبارة عن قوة مزاجية تقتضي الحس والحركات ، أما النسبة إلى الله ـ تعالى ـ فهي معنى مجازي وهو البقاء.
أما الذي ذكره المتكلمون بقولهم ( الحي ) هو الذي يصح أن يعلم ويقدر فمعناه الإصطلاحي الحادث ، وليست صفة حقيقية عارية عن الشبه والإضافة في حق الله - تعالى - إلا صفة الحياة وغيرها من الصفات ، وإن كانت حقيقة كالعلم والقدرة ، إلا أنها يلزمها لوازم من باب النسب والإضافات لتعلق العلم بالمعلوم والقدرة بإيجاد المقدور.
والحياة تستعمل على أوجه للقوة النامية الموجودة في النبات والحيوان ، وللقوة الحساسة ، وبه سمي الحيوان حيواناً.
وللقوة العاملة العاقلة ، وبهذا النظر : ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء وعلى هذا ﴿بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ ، أي يتلذذون والحياة الأخروية الأبدية يتوصل إليها بالحياة التي هي العقل والعلم . والبيئة المخصوصة ليست شرطاً للحياة ، بل يجوز أن يجعلها الله - تعالى - في جزء لا يتجزأ خلافاً للمعتزلة والفلاسفة.
والحيوان أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من الحركة والإضطراب اللازم للحياة ، والحيوان من الجنة ، والحياة في الدنيا.
وذهب الفلاسفة في حقيقتها مذاهب شتى ، ولكن ما من أحد لم يميز بين مادة حيّة . ومادة جامدة ، وبين جسم حيّ وجسم ميّت ، وما من أحد لا يستطيع إدراك الحياة متى تولدت في شيء.
فالحياة أشد الحالات ظهوراً ولكنها أصعبها مراساً على الفهم وأشدها إستعصاءً على التحديد وقد انتهى الأمر بفلاسفة أوروبا الآن إلى الإنقسام إلى فريقين : ١ - قال بعضهم : الحياة هي مظهر من مظاهر قوى الطبيعة من نوع القوى الحاكمة على المادة ، فهي ليست شيئاً مستقلاً لذاته فإذا مات الحيوان أو الإنسان وتحللت عناصره إنحلت الحياة وتلاشت ؛ لأنها لم تكن غير مجموع قوى الداخلة في تركيبه. ٢ - وقال بعض آخر : إن قوانين الطبيعة ونواميس المادة لا تكفي في تحليل جميع ظواهر الحياة ، فإن النظر المجرد إلى الإنسان في مداركه العالية ومواهبه الجليلة يدل على أن فيه من القوى الروحية ما يعتبر أرقى من قوى الطبيعة ، وعليه فلا مناص من فرض وجود قوة في الإنسان والحيوان والنبات مستمدة من أصل مستقل موجود في الكون تحت إسم ( الحياة ).
فقد ثبت بالدليل المحسوس وجود قوى روحانية مستقلة عن المادة ، وعالم روحاني له قوانين خاصة به أعلى من هذا العالم المادي.
وبكلمة أخرى ( أن الحياة ) مرة عرفوها فاختلفوا في تعريفها ، ومرة قالوا بأنه ليس لها حد من الحدود بناءً على إختلاف مظاهرها في جميع الممالك الحيوانية كل على حدة . ومرة أخرى قالوا بان ( الحياة ) تعرف من خلال مظاهرها الماثلة لعين الرائي كالحركة والطعام والشراب والإخراج.
ثم ذهبوا إلى القول بتعريفها إلى معان أخرى تسانخ الحياة كالفقر والغنى والعلم والجهل.
فقد نقل عن بعض الحكماء قوله : خير الأمور ثلاثة : الحياة وضعف الحياة ، وما هو خير من الحياة.
فأما الحياة فالراحة وحسن العيش ، وأما ضعف الحياة فالمحمدة وحسن الثناء ، وأما ما هو خير من الحياة فرضوان الله تعالى.
وشر الأمور ثلاثة : الموت ، وضعف الموت ، وما هو شر من الموت.
أما الموت فالفاقة والفقر ، وأما ضعف الموت فالمذمة وسوء الثناء ، وأما ما هو شر من الموت فسخط الله نعوذ بالله منه.
قال المؤلف : ولنا في هذا المجال كلمة أخرى : خير الأمور ثلاثة الحياة ، وضعف الحياة ، وما هو خير من الحياة.
أما الحياة فالعلم ، واما ضعف الحياة فالعمل بالعلم وأما ما هو خير من الحياة فقبول العمل بذلك العلم.
وشر الأمور ثلاثة : الموت، وضعف الموت ، وما هو شر من الموت.
أما الموت فالجهل ، وأما ضعف الموت فعدم الإلتفات للجهل ، وأما ما هو شر من الموت فالنار.
ويعيش الإنسان كما يقول علماء الحياة إلى نحو مائة وعشرين سنة ، وقد شوهد من الناس من عاش فوق المئة وخمسين سنة ويقولون أيضاً : إن جسم الإنسان مجعول على حال يستطيع معه أن يقاوم المبيدات المحيطة به نحواً من مئة وعشرين سنة.
ولكن الإنسان بعدم سيره على نظام حكيم في معيشته يساعد المبيدات الطبيعية على نفسه فيسرع بجسمه إلى الإنحلال.
ثم إن العمر مقدر محدود ولكن الأسباب التي جعلها الله تعالى للحياة والموت يجب أن تراعى وتلاحظ ، بل نحن مأمورون بمراعاتها ، قال الله تعالى : ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾(١) ، ومن التهلكة ألا يراعي الإنسان قوانين حفظ الصحة فيأكل أكثر أو أقل مما يجب . ويمنع نفسه عن استنشاق الهواء الطلق ، ويحبس نفسه على الأعمال العقلية ، فلا يروض جسده على الأعمال العضلية وينام في الغرف المحرومة من الشمس ومن نعمة الهواء ، ويسرف في ملاذه التناسلية ، ولم يسمح للإنسان القوي في كل أسبوع أكثر من مرة واحدة ، ويسهر إلى ما بعد الساعة العاشرة مساءً ، ويأكل الثوم والبصل والتوابل أكلاً لما وغير ذلك.
وكل هذه تضعف قوته الحيوية وتحط من شدة مقاومتها للعوارض فتصاب معدته وأعصابه بالإعياء ويزداد كلاله وعجزه شيئاً فشيئاً ، ثم يستسلم للقدر فيتلاشى ولم يبلغ غير الخمسين أو الستين ، فيموت قبل موعده الطبيعي بنحو الستين أو سبعين سنة فضلاً عن أنه يعيش ما بعد الأربعين ضعيفاً مريضاً في آلام مستمرة ويموت بعد خمسين أو ستين من السن الذي تم فيه نضج عقله ، وكمل فيه جلال الكهولة ، وصار أهلاً لأن يفيد الناس بعلمه وتجاربه.
ويقول هؤلاء العلماء : فلو أنصف الإنسان نفسه ، وراعى قوانين الصحة حرفاً بحرف بلا غلو ولا تقصير ورمى بكل جهده إلى تقوية قوته الحيوية الكامنة فيه بإمدادها بما يقومها وإبعاده عنها ما يضعفها من إفراط في أكل وسهر وجماع وشغل ولهو وغير ذلك عاش عمره الطبيعي . أللهم إلا إذا كان الخالق قد قضى عليه ان يموت بعلة طارئة أو بحادث غير منتظر لسبب أو لآخر كقطيعة رحمه أو غيره ذلك مما يسبب قصر العمر.
وقد خلق جسم الإنسان معد لأن يعيش ثلاثمائة سنة فإن الذين يموتون في السبعين والثمانين تكون أعضائهم سليمة صالحة للبقاء . وغاية ما كان عندهم من مسببات الموت إصابة عضو من أعضائهم بمجهودات فوق طاقته ، أو بعلة طرأت عليه . فلو تحامى الإنسان بعقله مواقع العلل إستطاع أن يحي إلى عمر طويل جداً ، ولكن السبب في عدم وصول الإنسان إلى سن الثلاثمائة أنه يتكون في أمعائه ودمه ميكروبات تعجل به إلى الفناء . فلو إكتشف الأطباء مصلاً لقتل هذه الميكروبات أمكن الشيخ أن يعيش ذلك السن الطويل.
وبعد هذا البيان نستطيع أن نقول : أن قوله ـ عليه السلام ـ : ( حياً سوياً ) يعني سلامة التركيب في الأعضاء ، وسلامة هذه الاعضاء من الأمراض التي تعتريها ، فهي إذا إعترتها الأمراض تكون مصدر قلق للإنسان ، وهي إذا نقصت في بنية جسم الإنسان التكاملية فهي إما أن تكون مصدر سخرية في مفهوم السفهاء من الناس ، وهي مصدر استرحام في مفهوم الناس الخيرين ، فكونه قد خرج إلى الدنيا حياً سوياً هو رحمة بالإنسان من الله قبل ان يسترحم الناس أو يترحم الناس له.
أما الرحمة التي أشار إليها النص فإنها تعني أن الله ـ سبحانه ـ خلق الإنسان بهذا القوام فجعله متكاملاً في صفاته وأعضائه ومواهبه وملكاته وقدراته ؛ لأجل أن ينشر عليه رحمته ، وتظهر فيه عظمته وقدرته . والمفعول لأجله يعني ارتباط السبب بالمسبب ، فإن خلق الإنسان حياً سوياً ، وجعله سميعاً بصيراً لكي تتجلى رحمة الله عنده ويعرف الإنسان هذه الرحمة ، في حين أن الله ـ سبحانه ـ هو غني عن خلقه ـ كما صرّح بذلك النص الماثل ـ إستناداً إلى قوله تعالى : ﴿وربّك الغني ذو الرحمة﴾(٢) وقوله تعالى : ﴿قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه هو الغني﴾(٣) ، وقوله تعالى : ﴿واعلموا أن الله غني حميد﴾(٤).
قال الطوسي في كتاب التبيان في معنى الغني : بأنه هو الحي الذي ليس بمحتاج ، والغني عن الشيء هو الذي يكون وجود الشيء وعدمه وصحته وفساده عنده بمنزله في أنه لا يلحقه صفة نقص . وذو الرحمة يعني صاحب الرحمة وهو ـ تعالى ـ بهذا الصفة يرحمته بعباده.
وقوله ـ سبحانه ـ : ﴿هو الغني﴾ تنزيه من الله ـ تعالى ـ نفسه عن اتخاذ الولد بكونه غير محتاج إلى ذلك ، لأنه مالك ما في السموات والأرض.
وإذا قلنا بأن الغنى هو عدم الحاجة إلى الغير فإن هذا يعني أن جميع المخلوقين هم فقراء إلى الله ، قال تعالى : ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾(٥) . وقوله ـ تعالى ـ : ﴿ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ، والله الغني وأنتم الفقراء﴾(٦).
فصريح هذه الآيات وغيرها يفيد أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله وإن كانوا أغنياء من المادة ، فإن الغني ليس هو كل من توفرت له أسباب المادة فإنه لا يزال فقيراً محتاجاً . وسيأتي في الأبحاث القادمة مقارنة بين الغنى والفقر ، والثروة وعدمها إن شاء الله تعالى.
فقوله - عليه السلام - : ( وكنت عن خلقي غنياً ) يشير إلى الإمكان الخاص ، وذلك أن جميع الموجودات عدا الخالق ممكن بهذا الإمكان.
أما خالقهم فهو واجب الوجود سبحانه وتعالى عما يشركون وللحديث صلة في هذا الموضوع في أبحاث الكتاب القادمة إن شاء الله تعالى.
الهوامش: (١) سورة البقرة ، آية : ١٩٥. (٢) سورة الأنعام ، آية : ١٣٣. (٣) سورة يونس ، آية : ٦٨. (٤) سورة البقرة ، آية : ٢٦٧. (٥) سورة فاطر ، آية : ١٥. (٦) سورة محمد (ص) ، آية : ٣٨.

الردود والتعليقات (0)
أضف رداً على المقال