![]() |
| الشيخ عباس الريس |
« اللُّغَة » كربتي : الكرب على وزن الضرب ، الحزن والغم الذي يأخذ بالنفس وجمعه كروب. وكربة الأمر والغم يكربه كرباً. اشتد عليه فهو مكروب والكرائب : الشدائد. والواحدة كريبة قال سعد بن ناشب المازني : - فيال رزام رشحوا مقدماً إلى الموت ، خواضاً إليه الكرائبا عورتي : أصل العورة الخلل في الثغر وغيره والعوار بفتح العين وضمها خرق أو شق في الثوب ، وقيل هو عيب فيه قال ذو الرمة : تبين نسبة المزني لؤماً كما بنيت في الإدم العوارا
وفي حديث الزكاة ( لا تؤخذ الصدقة هرمة ولا ذات عوار ) قال ابن الأثير العوار بالفتح العيب. وفي التنزيل العزيز ﴿إن بيوتنا عورة﴾(١) أي ممكنة للسرّاق لخلوها من الرجال فأكذبهم الله عزّ وجلّ فقال : ﴿وما هي بعورة﴾ وقيل : معناه إن بيوتنا عورة أي معورة أي بيوتنا مما يلي العدو ونحن نسرق منها. وقال الجوهري : العورة كل خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب. والعورة كل ممكن للستر وعورة الرجل والمرأة سوأتهما والجمع عورات والنساء عورة. وقرأ بعضهم ( عورات النساء ) بالتحريك والعورة تطلق على الساعة التي هي فيها ظهور العورة وهي ثلاث ساعات ، ساعة قبل صلاة الفجر ، وساعة عند نصف النهار ، وساعة بعد العشاء الآخرة. وفي التنزيل العزيز ﴿ثلاث عورات لكم﴾(٢) أمر الله ـ تعالى ـ الولدان والخدم ألا يدخلوا في هذه الساعات إلا بتسليم منهم واستئذان ، والعورة من الرجل ما بين السرة والركبة ، ومن المرأة الحرة جميع جسدها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين ، ومن الأمة مثل الرجل.
خسأ : الخاسىء من الكلاب والخنازير والشياطين : البعيد الذي لا يترك أن يدنو من الإنسان. والخاسىء المطرود. وخسأت الكلب أي زجرته فقلت له : إخسأ ويقال : خسأته فخسأ أي أبعدته فبعد والخاسأ المبعد المبعد ويكون بمعنى الصاغر يتعدى ولا يتعدى. وقال الزجاج في قوله ـ عزّ وجلّ ـ : ﴿قال إخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾(٣) معناه تباعد سخط. وقال الله تعالى لليهود : ﴿كونوا قردة خاسئين﴾(٤) أي مدحورين ، وقال الزجاج : مبعدين وتخاسأ القوم بالحجارة تراموا بها.
شيطاني : الشيطان حية لها عرف. والشيطان من شطن إذا بعد وهو مبعد من رحمة الله والشيطان معروف وكل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان. قال جرير : أيام يدعونني الشيطان من غزل وهن يهوينني إذ كنت شيطاناً
وتشيطن الرجل وشيطن إذا صار كالشيطان وفعل فعله ، وفي التنزيل العزيز : ﴿طلعها كأنه رؤوس الشياطين﴾(٥). قال الزجاج : وجهه : أن الشيء إذا استقبح شبه بالشياطين فيقال كأنه وجه شيطان ، والشيطان لا يرى ولكنه يستشعر أنه أقبح ما يكون من الأشياء ولو رؤي لرؤي أقبح صورة ومثله قول أمرىء القيس : ايقتلني والمشر في مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال ولم تر الغول ولا أنيابها. وقيل : ﴿كأنه رؤوس الشياطين﴾ : كأنه رؤوس حيات فإن العرب تسمي بعض الحيات شيطاناً ، كما مر وقيل رؤوس الشياطين نبت معروف قبيح شبه به طلع هذه الشجرة والله أعلم.
رهاني : الرهان والرهون جمع الرهن. والرهن هو ما وضع عند الإنسان مما ينوب مناب ما أخذ منه يقال : رهنت فلاناً داراً رهناً وارتهنته إذا أخذه رهناً والرهينة واحدة الرهائن وفي الحديث : ( كل غلام رهينة بعقيقته ) وفي التنزيل العزيز : ﴿فرهان مقبوضة﴾(٦). قرأ نافع وعاصم وأبو جعفر وشيبة ( فرهان مقبوضة ) وقرأ أبو عمرو وابن كثير ( فرهن مقبوضة ) بضم الراء والهاء. قال قعنم : بانت سعاد وأمسى دونها عدن وغلقت عندها من قبلك الرهن
وقال تعالى : ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾(٧) وقال تعالى : ﴿كل امرىء بما كسب رهين﴾(٨) أي محتبس بعمله ، ورهينة محتبسة بعملها والمراهنة والرهان المسابقة على الخير وغير ذلك.
البيان بدأ في هذا الفقرة لوناً آخر من التضرع والمسألة ، فبينما نراه فيما مضى من فقرات الدعاء يحمد الله مرة ، ويعدد نعمه مرة ، ويطلب الرزق مرة أخرى ثالثة لإرتباط وثيق بين هذه المعاني ، نراه في هذه الفقرة يطلب من الله أن يهييء له أسباب الراحة في الحياة الدنيا بعد أن انتهى من سؤاله حول الآخرة وما يتعلق بها من الحاجات ، وقد قدمها لأنها هي الموضوع الأهم كما هو مرتب في نظم الكلام في ذيل هذه الفقرة ( في الآخرة والأولى ).
وقد بدأ ـ عليه السلام ـ بقوله : ( أللهم أكشف كربتي ) ، والكرب ـ كما عرفته في فصل اللغة ـ معناه الحزن والشدائد ، أو الشدائد التي تجلب الحزن ، فيكون بهذين المعنيين هو من باب تسمية السبب بإسم المسبب وبالعكس.
والكربات التي تلم بالإنسان في حياته يختلف تأثيرها عليه باختلاف شخصيته ونفسيته ومدى استطاعتها على تحمل هذه الكربات وتبعاتها ، واستيعابها لوقوع هذه الشدائد ومضاعفاتها.
فمن النفوس ما تكون جبارة عملاقة أو كما قالوا عنها : بانها عصامية ، وهي التي لا تهتز بهذه الأزمات التي تعصف بها ، إما لأن صاحبها يرى نفسه أسمى وأعلى من هذه المؤثرات الخارجية ، وإما لأنه يحتقر هذه الأحداث بإعتبارها أموراً طارئة لا تلبث أن تزول ؛ ولذلك لا يرى مسوّغاً وعذراً لهذا الإنفعال. وهذا ليس من باب الصبر الجميل الذي أمر به الإنسان عند حلول الأذى ، وتفويض الأمور في ذلك إلى الله وإرجاعها إليه.
فهناك من النفوس نفس صابرة مطمئنة إلى قضاء الله وقدره ، لا ترى الخير إلا فيما يراه ـ سبحانه ـ لها ، ولا ترى الشر إلا فيما يدفعه ـ تعالى ـ عنها وتسلم لأمر ربّها تسليماً.
وقد مدح الصابرون في مثل هذه الأحوال فيما ورد من الثناء عليهم في القرآن الكريم بما لا مزيد عليه. قال تعالى : ﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾(٩) ، وقال تعالى : ﴿والذين صبروا ابتغاء ربّهم وأقاموا الصلاة﴾(١٠) وقال تعالى : ﴿الذين صبروا وعلى ربّهم يتوكلون﴾(١١) وقال تعالى : ﴿وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً﴾(١٢) وقال تعالى : ﴿وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم﴾(١٣). فالصبر يصغر كلّ عظيمة نازلة ، وبالإقبال على الله والإلتجاء إليه تستيقظ روح الإيمان ، وتتنبه النفس الإنسانية إلى أن صاحبها ملتجىء إلى ركن لا ينهدم وماسك بسبب لا ينفصم. وقد جاء في كثير من الروايات أن معنى الصبر هو الصيام ، وذلك لشدة الملازمة بينهما.
ولهذا فإن الروايات تؤكد على أن معالجة النوازل والكروب الصوم وكذلك الصلاة. وعلى العموم فإن اللجوء إلى الله بأي طريق في حال الشدة هو خير ما يفعله العبد.
ففي الكافي عن الصادق ـ عليه السلام ـ إذا أهاله أمرٌ فزع قام إلى الصلاة وتلا هذه الآية واستعينوا بالصبر والصلاة. وفي الكافي أيضاً عنه ـ عليه السلام ـ في الآية قال : الصبر الصيام ، وقال : إذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة فليصم. إن الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول : ﴿واستعينوا بالصبر﴾(١٤) يعني الصيام. ونفهم من هذا أن الطلب الذي ذكره في تضرعه كان يقصد منه كشف هذه الملمات التي تسبب الحرج والإرتباك في حياة الإنسان هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أن كثرة التضرع والإلتجاء إلى الله يشد الإنسان إلى ربّه شداً وثيقاً خصوصاً بعد أن سلم الإنسان بأن لا ملجأ إلا إليه.
ومنها أيضاً : نفس ضعيفة لا تثبت في حال من الأحوال ، فهي دائمة التغير مهزوزة الكيان ، وهذا ينتج عن عدة عوامل تلم بالإنسان ومنها التربية السيئة التي تعود الإنسان على الخمول والكسل ، أو الإهمال في التربية وهذا من شأنه أن يصرف الإنسان ويبعده عن معالي الأمور التي ينبغي أن يكون فيها الإنسان حازماً.
ومنها : الخليط المؤثر على الإنسان والذي يعتبر عاملاً هاماً مؤثراً في سيرة الإنسان ، وقد تقدم حول هذا الموضوع كلام في الجزء الأول ، وأشرنا هناك إلى أن بعض الأفراد بحسب التركيب الفيسيولوجي لا يمكن أن ينبغوا في جهة من جهات الحياة.
فالوسط الإجتماعي كما أن له علاقة في تهذيب الإنسان وتربيته تربية صالحة تجعله مستعداً لتلقي نوائب الدهر ( وكربات ) الليالي والأيام ، كذلك من شأن هذه التربية الصالحة تجعله أكثر استعداداً لتلقي مثل ذلك إذا كانت تربيته مشبعةً بالوعي الديني.
على أن هذه النقاط المذكورة ـ وإن كانت تدخل في صميم كيان الإنسان ـ فإنا لا نقول بأنها تكون شخصيته الإنسانية المتكاملة في أخلاقها وفي سيرتها من حيث التعامل الإجتماعي بين أبناء الجنس البشري ، ولكن هناك جوانب أخرى ربما نقول عنها في البعض أنها ضرورية ، ونقول عنها في بعض الشخصيات أنها مهمة ومكملة لجوانب شخصية إسلامية حرة ، وهي لا تخفى على الإنسان اللبيب.
( واستر عورتي ) أما العورة فهي كما يفهم من معطيات الجوانب اللغوية كل عيب في الإنسان ، وعيوب الإنسان تختلف مفاهيمها بحسب البيئات من حيث الزمان والمكان. فالعيب في زمان ربما لا يكون في غيره عيباً ، والعيب في مكان ربما لا يكون في غيره كذلك ، هذا بحسب المفاهيم الإجتماعية المختلفة بين شعوب العالم.
وأما بحسب المفاهيم الشرعية فإن العيب لا يختلف بين الناس سواءً اختلف الزمان أم لا ، وسواءً اختلف المكان أم لا وذلك لأن الحكم من الشارع له مفهوم واحد. أللهم إلا ما تغير بحسب العوامل الداخلة عليه ، وذلك تبعاً لمرونة الإسلام المعروفة ، وتبعاً لتطور حياة الإنسان ، وملاحقة منه للتغير المضطرد في مفاهيم الحياة كأحوال التقية.
فالعورة بهذا المعنى هي كل قبيح يراه الشرع قبيحاً لا ما يراه الإنسان المختلف المفاهيم.
وقد تأتي في هذا السياق من الكلام مسألة الحسن والقبح بنوعيهما الشرعي والعقلي ، إلا أننا لا نريد الخوض في هذا الموضوع قبل أوانه وسنمر به في الأبحاث القادمة في المكان المناسب من الكتاب في وقفة تأمل إن شاء الله.
فالعورة بمعنى أعم هو كل ما يشين الإنسان ويزريه فقوله ـ عليه السلام ـ : ( واستر عورتي ) يعني أبعدني عن هذه النقائص والدنايا ، وبمعنى آخر أبعد الناس عن القول فيَّ بما أكره ؛ لأن العورة كما قررنا هي أعم من النظر إلى العيوب ، فكشفها ربما يتم مرة عن طريق النظر ، وربما يكون عن طريق السمع ، وربما يكون عن طريق اللسان ، أو بأي جارحة من الجوارح.
ثم نراه ـ عليه السلام ـ يتصاغر في خطابه ومسألته أمام الله فيقول : ( واغفر لي خطيئتي ) مع كونه ـ عليه السلام ـ في تلك الدرجة العالية وهي درجة الإمامة التي تكون من لوازمها العصمة فلا تصدر منه الخطيئة والذنب ، سواءً كان صغيراً أو كبيراً ، وإلا لزم اجتماع النقيضين وهو محال. فالخطيئة بمعناها العام هو الذنب الذي يصدر من الإنسان عمداً ومن غير عمد ، إلا أن الأول محاسب عليه والثاني مغتفر.
قال الأعلمي في دائرة المعارف : الخطأ هو ثبوت الصورة المضادة للحق ، بحيث لا يزول بسرعة. وقيل : هو العدول عن الجهة ، وذلك أضرب : أحدهما : أن تريد غير ما يحسن إرادته ، فتفعله. وهذا هو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان.
والثاني : ان تريد ما يحسن فعله ولكن يقع بخلاف ما تريده ، وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل. وهذا المعنى بقوله ـ صلى الله عليه وآله ـ : ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ) ، وبقوله : ( من اجتهد وأخطأ فله أجر ).
والثالث : أن تريد ما لا يحسن فعله ، ويتفق منه خلافه فهذا مخطأ في الإرادة ومصيب في الفعل وهو مذموم بقصده غير محمودٍ على فعله. وجملة الأمر أن من أراد شيئاً واتفق منه غيره يقال فيه : ( أخطأ ) ، وأن وقع منه كما أراده : ( أصاب ). والخطأ في القصد هو أن ترمي شخصاً تظنه صيداً ، والخطأ في الفعل هو أن ترمي غرضاً فأصاب آدمياً. والخطأ تارة يكون بخطأ مادة ، وتارة بخطأ صورة ، فالأول من جهة اللفظ أو المعنى ، أما اللفظ كاستعمال المتباينة كالمرادفة نحو السيف والصارم ، واما المعنى فكالحكم على الجنس بحكم النوع المندرج تحته نحو هذا لون واللون سواد فهذا سواد(١٥).
ولكن ما أشار إليه ـ عليه السلام ـ في كلمته السابقة هو التذلل والخضوع ، فهو يعترف بالخطأ على نفسه كإنسان يعيش بين الناس لولا ما منّ الله عليه بنعمة العصمة التي هي ملكة نفسانية يستطيع صاحبها الإبتعاد بها عن الخطأ صغيره وكبيره مع قدرته عليه.
الهوامش: (١) سورة الأحزاب ، آية : ٣٣. (٢) سورة النور ، آية : ٥٣. (٣) سورة المؤمنون ، آية : ١٠٨. (٤) سورة البقرة ، آية : ٦٥. (٥) سورة الصافات ، آية : ٦٥. (٦) سورة البقرة ، آية : ٢٨٣. (٧) سورة المدثر ، آية : ٢٨. (٨) سورة الطور ، آية : ٢١. (٩) سورة الرعد ، آية : ٢٤. (١٠) سورة الرعد ، آية : ٢٢. (١١) سورة العنكبوت ، آية : ٥٩. (١٢) سورة الإنسان ، آية : ١٢. (١٣) سورة النساء ، آية : ٢٥. (١٤) سورة البقرة ، آية : ٤٥. (١٥) دائرة المعارف للأعلمي.

الردود والتعليقات (0)
أضف رداً على المقال