مجلس الشيخ عباس الريس

الدراز - البحرين
مقالات مختارة

قبسات من شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام

محتويات المقال

    الشيخ عباس الريس 


    قال عليه السلام : [ أللَّهُمَّ مَا أَخافُ فَاكْفِنِي ، وَمَا أَحْذَرُ فَقِنِي ، وَفِي نَفْسِي وَدِينِي فَاحْرُسْنِي ، وَفِي سَفَرِي فَاحْفَظْنِي ، وَفِي أَهْلِي وَوَلَدِي فَاخْلُفْنِي ، وَفِيمَا رَزَقْتَنِي فَبَارِكْ لِي ، وَفِي نَفْسِي فَذَلِّلْنِي ، وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ فَعَظِّمْنِي ، وَمِنْ شَرِّ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فَسَلِّمْنِي ، وَبِذُنُوبِي فَلا تَفْضَحْنِي ، وَبِسَرِيرَتِي فَلا تُخْزِنِي ، وَبِعَمَلِي فَلا تَبْتَلِنِي ، وَنِعَمَكَ فَلا تَسْلُبْنِي ، وَإِلَى غَيْرِكَ فَلا تَكِلْنِي ] .

    اللُّغَة

    أخاف : الخوف الفزع خافه خوفاً ومخيفةً قال الليث : صارت الواو ألفاً في ( يخاف ) لأنهم على بناء عمل يعمل فاستثقلوا الواو وألقوها ومنه التخويف والإخافة والتخوف قال الشاعر : أتهجر بيتاً بالحجاز تلفعت به الخوف والأعداء أم أنت زائره والمخاف والمخيف موضع الخوف وطريق مخوف ومخيف تخافه الناس . قال تعالى : ﴿لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾(١) وقال تعالى : ﴿يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾(٢) .

    أحذر : الحذر الخيفة حذره يحذره واحذره خافه وأنشد ابن الأعرابي : قلت لقوم خرجوا هذاليل إحـتـذروا لا يلقكم طـمـالـيـل والتحذير التخويف وفي التنزيل العزيز : ﴿وإنا لجميع حاذرون﴾(٣) وقال الزجاج : الحاذر المستعد والحذر المتيقظ وتقول حذار يا فلان أي إحذر وأنشد ابن النجم : حـذار مـن أرمـاحـنـا حـذار أو تجعلوا مـن دونكم وبـار وتقول حذار في عسكركم ودعيت نزال بينهم .

    فاخلفني : خلفه يخلفه صار خلفه واختلفه أخذه من خلفه قال النابغة الذبياني : حتَّى إذا عزلت توائم مقصراً ذات الـعـشـاء واخلـف الأركـاح الخلف ضد قدام خلف نقيض قدام مؤنثة وهي تكون اسماً وظرفاً والتخلف التأخر والخلف الظهر قوله فاخلفني أي ردني إلى خلفه والخلف المربد يكون خلف البيت هو محبس الإبل .

    فذللني : الذل نقيض العز وفي أسماء الله تعالى المذل وهو الذي يلحق الذل بمن يشاء من عباده وينفي عنه أنواع العز جميعها ، والذل بالكسر اللين وهو ضد الصعوبة والذلول يكون في الإنسان والدابة ، ودابة الذلول بينة الذل ومنه حديث ذي القرنين انه خير في ركوبه بين ذلل السحاب وصعابه فاختار ذلله . وقال تعالى : ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾(٤) .

    تفضـحني : الفضح فعل مجاوز من الفاضح والمفضوح والإسم الفضيحة إفتضح الرجل إذا ركب أمراً سيئاً فاشتهر به . ويقال للنائم وقت الصباح فضحك الصبح فقم معناه ان الصبح قد استنار وتبين حتى بينك لمن يراك وشهرك وقد يقال أيضاً فصحك الصبح بالصاد ومعناها متقارب وفضحه الصبح بياضه والإسم الفضاحة والفضوح والأفضح الأبيض وليس بشديد البياض . قال ابن مقبل : فأضحى له جلب بأكتاف شـرمـةٍ اجش سـمـاكـي مـن الـوبل أفضح الأجش الذي في رعده غلظ والسماكي الذي مطر بنو السماك وشرمة موضع بعينه .

    تخزني : الخزي السوء خزي الرجل يخزى خزياً وخزى ، وقع في بلية وشر وشهرة فذل بذلك وهان . وقال أبو إسحاق في قوله تعالى : ﴿ولا تخزنا يوم القيامة﴾(٥) المخزي في اللغة المذل : المحقور بأمر قد لزمه بحجة والخزي : الهوان وامرأة خزياء . قال أمية : فـ ... سوءاً فقلت لها خزيان حيث يقول الزور بهتاناً

    تبتلني : بسل الرجل وتبسل كلاهما عبس من الغضب والشجاعة وتبسل لي فلان إذا رأيته كريه المنظر ، وتبسل وجهه كرهت مرآته وفظعت قال أبو ذؤيب يصف قبراً : فكنت ذنـوب الـبئـر لـمـا تبسلت وسربلت اكفاني ووسدت ساعدي لما تبسلت أي كرهت والباسل الأسد لكراهة منظره وقبحه . والبسالة الشجاعة والباسل الشديد والشجاع والجمع بُسلاء سمي بذلك الرجل الشجاع لأن الرجال في الحرب يكرهون لقاءه . والبسـل من الأضداد وهو الحرام والحلال الواحد والجمع والمذكر والمؤنث في ذلك سواء قال الأعشى في الحرام : أجـارتـكـم بسـل عـلـيـنـا محـرم وجـارتـنـا حـلٌّ لكـم وحليـهـا

    تسلبني : السلب ما يسلب وكل شيء على الإنسان من اللباس فهو سلب والفعل سلبته وفي الحديث من قتل قتيلاً فله سلبه وما يأخذه أحد القرنين في الحرب من قرنه مما يكون عليه ومعه من ثياب وسلاح ودابة وسلبت المرأة وهي مسلب إذا كانت محداً تلبس الثياب السود للحداد . وكل طريق ممتد فهو أسلوب ويقال للوجه والمذهب فيقال للوجه والمذهب فقال أنتم في أسلوب سوء .

    تكلني : الوكل الذي يكل أمره إلى غيره ورجل وكلٌ بالتحريك وتكلة ومواكل عاجز كثير الإتكال على غيره يقال وكلة تكلة أي عاجز يكل أمره إلى غيره وفيل وكلٌ إذا كان ضعيفاً ليس بنافذ الوكل ، والوكل بفتح الكاف الجبان ، والمتوكل على الله الذي يعلم أن الله كافل رزقه وأمره وحده ولا يتوكل على غيره وتوكل على الله واتكل استسلم إليه ومن أسمائه تعالى الوكيل قال سبحانه : ﴿ألا تتخذوا من دوني وكيلاً﴾(٦) قال الفراء : يقال ربّاً ويقال كافياً وقيل : الوكيل الحافظ وقال في قوله تعالى : ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾(٧) كافينا الله ونعم الكافي .

    البيان الخوف مسألة من المسائل الوجدانية ، وله أسباب ومواطن كثيرة . فمرة يكون محموداً ومرة يكون مذموماً . وقد ذكرنا في كلام سابق لمحة عن الخوف عند الكلام عن الخشية ، وأشرنا هناك إلى أن الخشية إذا كانت من الله - تبارك وتعالى - فهي الغرض الأسمى ، ونقول هنا أيضاً أن الخوف على نوعين : أحدهما : أن يكون مذموماً بجميع أقسامه ، وهو الذي لم يكن من الله وليس لله ، ولا من معاصي العبد وجناياته ، بل يكون لغير ذلك من الأمور الأخرى . وهذا النوع من رذائل قوة الغضب من طرف التفريط ومن نتائج الجبن . وثانيهما : محمود وهو الذي يكون من الله ومن عظمته إشفاقاً من ذنوب العبد ، وهو من فضائل القوة الغضبية ؛ لأن العقل يأمر به ويحسنه فهو حاصل من إنقياده له . وللنوع الأول أقسام يقبحها العقل بأسرها ، ولا يجوزها فلا ينبغي للعاقل أن يتطرقها إلى نفسه ؛ وذلك أن باعث هذا الخوف يتصور على أقسام :

    ١ - أن يكون أمراً ضرورياً لازم الوقوع ، ولم يكن دفعه في مقدرة الإنسان ، ففي أن الخوف في مثله خطأ محض ، ولا يترتب عليه فائدة سوى إشغال قلبه بصده عن تدبير مصالحه الدنيوية والدينية . ٢ - أن يكون أمراً ممكناً لم يجزم من شيء من طرفيه ، ولم يكن لهذا الشخص مدخلية في وقوعه وعدمه ، ولا ريب في أن الجزم بوقوع مثله والتألم لأجله خلاف مقتضى العقل ، فاللازم إبقاؤه على إمكانه من دون جزم بحصوله . قال تعالى : ﴿لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً﴾(٨) . وهذا القسم مع مشاركته للأول في استلزامه تعجيل العقوبة بلا سبب لعدم مدخليته لإختياره فيه يمتاز عنه بعدم الجزم بوقوعه ، فهو بعدم الخوف أولى منه . ٣ - أن يكون أمراً ممكناً فاعله هذا الشخص ، وهو ناشىء عن سوء إختياره ، فعلاجه ألّا يرتكبه ، ولا يقدم على فعل يخاف من سوء عاقبته ؛ فإنه إما فعله غير قبيح ، ومن شأنه أن يؤدي إلى ما يضره ، ولا ريب ، أن ارتكاب مثله خلاف حكم العقل ، ولو ظهر التأدي بعد إيقاعه فيكون من الثاني ، والعاقل العالم بطبيعة الممكن لا يرتكب مثله . ٤ - أن يكون مما تتوحش منه الطباع بلا داع عقلي ولا باعث آخر ، كالميت والجن وأمثالهما لا سيما في الليل مع وحدته ولا ريب في أن هذا ناشىء عن قصور العقل ، ومقهوريته الواهمة ، فليحرك القوة الغضبية ويهيجها ليتغلب بها العاقل على الوهم وربما ينفع إلزام نفسه على الواحدة في الليالي المظلمة والصبر عليها حتى يزول عنه هذا الخوف على التدريج ولما كان خوف الموت أشد أقسام هذا النوع وأعمها فلنشر إلى علاجه بصورة سريعة :

    ١ - تصور فناء ذاته بالكلية وصيرورته عدماً محضاً بالموت . ولا ريب في كونه ناشئاً عن محض الجهل ، إذ الموت ليس إلّا قطع علاقة النفس عن بدنه وهي باقية أبداً كما دلت عليه القواطع العقلية والشواهد والظواهر السمعية فمن تأمل أدنى تأمل تخلص من هذا الخوف . ٢ - تصور إيجابه ألماً جسمانياً عظيماً لا يتحمل مثله ولم يدرك في الحياة شبهه . وهذا أيضاً من الخيالات الفاسدة فإن الألم فرع الحياة ، والألم الجسماني ما دامت الحياة لا يكون أشد مما رآه كل إنسان في حياته من الأوجاع وقطع الإتصال ، وبعد زوال الحياة لا معنى لوجوده ؛ لأن كل جسماني إدراكه بواسطة الحياة ، وبعد إنقطاعها لا إدراك ، فلا ألم . ٣ - صعوبة قطع علاقته من الأولاد والأموال والمناصب والأحباب ومعلوم أن هذا ليس خوفاً من الموت في نفسه بل هو حزن على مفارقة بعض الزخارف الفانية ، وعلاجه ان يتذكر أن الأمور الفانية مما لا يليق بالعاقل أن يرتبط بها قلبه . ٤ - تصور سرور الأعداء وشماتتهم بموته وهذا وسوسة شيطانية صادرة عن محض التوهم ، لأن مسرة الأعداء وشماتتهم لا توجب ضرراً في إيمانه ودينه ، ولا ألماً في روحه وجسمه ، على أن ذلك لا يختص بالموت إذ العدو يشمت ويفرح بما يرد عليه في حال الحياة أيضاً من البلايا والمحن ، فمن كره ذلك فليجتهد في قطع العداوة وإزالتها بالمعالجات المقررة للحقد والحسد . ٥ - تصور العذاب الجسماني والروحاني المترتب على ذمائم الأعمال وقبائح الأعمال ولا ريب في أن الخوف من ذلك ممدوح إلّا أن البقاء عليه وعدم السعي فيما يدفعه من ترك الخطيئة وكسب الطاعات جهل وبطالة ؛ إذ هذا الخوف ناشىء من سوء الإختيار ، وقد بعث الله الرسل ووصى هؤلاء أوصيائهم لاستخلاص الناس عنه ، فعلاجه ترك المعاصي وتحصيل معالي الإخلاص .

    الهوامش: (١) سورة البقرة ، آية : ٢٧٣ . (٢) سورة المائدة ، آية : ٥٤ . (٣) سورة الشعراء ، آية : ٥٦ . (٤) سورة الإسراء ، آية : ٢٤ . (٥) سورة آل عمران ، آية : ١٩٤ . (٦) سورة الإسراء ، آية : ٢ . (٧) سورة آل عمران ، آية : ١٧٣ . (٨) سورة الطلاق ، آية : ١ . الحسين عليه السلام 


     

    الردود والتعليقات (0)

    لا توجد ردود بعد على هذا المقال. كن أول من يشارك برأيه أو تعليقه!

    أضف رداً على المقال