![]() |
| الشيخ عباس الريس |
قال عليه السلام:
[الحمد لله حمداً يعدل حمد ملائكته المقربين، وأنبيائه المرسلين، وصلى الله على خيرته من خلقه محمد خاتم النبيين، وآله الطاهرين المخلصين].
اللغة
يعدل: العدل ما قام في النفوس أنه مستقيم وهو ضد الجور، وعدل الحاكم في الحكم يعدل عدلاً، وهو عادل من قوم عدول، وعدل إسم للجمع، وفي أسماء الله - سبحانه - العدل، وهو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، والعدل الحكم بالعدل. والعدل من الناس المرضي قوله وحكمه، ورجل عدل رضاً ومقنع في الشهادة. قال كثير:
وبايعت ليلى في الخلاء ولم يكن شهود على ليلى عدول مقانع.
وعادلت بين الشيئين، وعدلت فلاناً بفلان إذا سويت بينهما، وقيل هو المثل. قال مهلهل:
على أن ليس عدلاً من كليب إذا برزت مخبأة الخدور.
والعديل من عادلك من الناس، قاله سيبويه. وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿أو عدل ذلك صياماً﴾ (1) قال العدل ما عادل الشيء من غير جنسه ومعناه: أي فداء ذلك.
المقربين: القرب نقيض البعد وقرب الشيء بالضم يقرب قرباً وقرباناً دنا فهو قريب، وقوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب﴾ (2). جاء في التفسير أخذوا من تحت أقدامهم وقالوا هو قرابتك أي قريب منك في المقام وقال الشاعر:
يا صاحبي ترحلا وتقربا فلقد أنى لمسافر أن يطربا.
والتقارب هو ضد التباعد وفي الحديث: إذا تقارب الزمان، وفي رواية إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب قال إبن الأثير: أراد إقتراب الساعة، وقيل إعتدال الليل والنهار، وتكون الرؤيا فيها صحيحة لإعتدال الزمان، وفي الحديث (من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً) المراد بقرب العبد من الله - عز وجل - القرب بالذكر والعمل الصالح، لا قرب الذات والمكان؛ لأن ذلك من صفات الأجسام والله يتعالى عن ذلك ويتقدس، والمراد بقرب الله تعالى من العبد قرب نعمه وألطافه منه، وبره وإحسانه، ومنه الملائكة المقربون.
طهر: الطهارة إسم يقوم مقام التطهر بالماء، والطهارة فضل ما تطهرت به بضم الطاء كالإستنجاء والوضوء والتطهر التنزه والكف عن الإثم وما لا يجمل. وقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ (3) معناه: وقلبك فطهر وعليه حمل قول عنترة:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم.
وعرفوا الطهارة شرعاً بأنها إستعمال طهور مشروط بالنية، وقيل في معنى الآية ﴿وثيابك فطهر﴾ إن تقصير الثياب طهر، لأن الثوب إذا انجر على الأرض لا يؤمن أن تصيبه نجاسة، وقصره يبعده عن ذلك، وطهر فلان ولده إذا أقام سنة ختانه، وإنما سماه المسلمون تطهيراً لأن النصارى لما تركوا سنة الختان غمسوا أولادهم في ماء صبغ بصفرة يصفر لون المولود، وقالوا هذه طهرة أولادنا التي أمرنا بها، فأنزل الله تعالى: ﴿صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة﴾ (4) أي اتبعوا دين الله وفطرته وأمره، لا صبغة النصارى.
المخلصين: خلص الشيء يخلص خلوصاً، وخلاصاً إذا كان قد نشب ثم نجا وسلم. وأخلص لله دينه أمحضه. وأخلص الشيء إختاره، وقرىء إلا عبادك منهم المخلصين بالكسر، والمخلصين بالفتح قال ثعلبة: يعني بالمخلصين بالفتح الذين أخلصوا العبادة لله - تعالى -، وبالمخلصين بالفتح الذين أخلصهم الله - عز وجل -؛ ولذلك سميت (قل هو الله أحد) سورة الإخلاص. قال إبن الأثير: سميت بذلك لأنها خالصة في صفة الله، أو لأن اللافظ بها قد أخلص التوحيد لله - عز وجل - وكلمة الإخلاص (كلمة التوحيد) وقرىء بالوجهين في قوله تعالى: ﴿ومن عبادنا المخلصين﴾ فالمخلصون المختارون بالفتح والمخلصون بالكسر: الموحدون. والخلص بفتح اللام شجر طيب الريح له ورد كورد المرو، وهو طيب زكي. قال أبو حنيفة: أخبرني إعرابي أن الخلص شجر ينبت نبات الكرم يتعلق بالشجر فيعلق، وله ورق أغبر رقاق مدورة واسعة وله وردة كوردة المرو وأصوله مشربة وهو طيب الريح.
البيان
بدأنا في الجزء الأول من الكتاب بذكر الحمد، وذلك جرياً مع ما بدأ به الإمام الحسين - عليه السلام - وقد بحثنا فيما هنالك معنى الحمد، وبعض الألفاظ التي تقارب معناه، أما ها هنا فسنبحث الحمد لا من حيث معانيه المتقاربة، ولكن من حيث تقسيماته المتصورة التي تمر بفكر الإنسان، وكما ذكرها أرباب التفسير، فقد ذكر ذلك الراغب في تفسيره الكبير عند قوله - تعالى -: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ إن الذي يحمد ويمدح ويعظم في الدنيا إنما يكون كذلك لأحد وجوه أربعة:
1 - أما أن يكون كاملاً في ذاته وصفاته، منزهاً عن جميع النقائص والمعائب، وإن لم يكن منه إحسان إليك.
2 - وأما لكونه محسناً إليك منعماً عليك.
3 - وأما لأنك ترجو فضول إحسانه إليك فيما يستقبل من الزمان.
4 - وأما لأجل أن تكون خائفاً من قهره وقدرته وكحال سطوته.
فهذه الجهات الموجبة للتعظيم، فإنه - تعالى - يقول: إن كنتم ممن تعظمون للكمال الذاتي فاحمدوني فإني أنا الله، وإن كنتم تعظمون للإحسان والتربية والإنعام فإني أنا رب العالمين، وإن كنتم تعظمون للطمع في المستقبل فأنا الرحمن الرحيم، وإن كنتم تعظمون للخوف فأنا مالك يوم الدين.
وهذه الصفات الأربع مجتمعة عنده - تعالى -. أما بالنسبة إلى الصفة الأولى فإنه قد جمع صفات الجلال والكمال، واختار لنفسه خير الأسماء، وهذه الصفات التي جمعت له - سبحانه - تنفي غيرها من صفات النقص والذم وذلك لإستحالة إجتماع النقيضين. وأما الإحسان فظاهر منه - سبحانه - على الإنسان، بل هو ظاهرة يومية تمد الإنسان بالحياة وتلبي حاجاته من البداية إلى النهاية، بل هو لباس ألبسه الله الإنسان فلا يمكن نزعه عنه ليبقى عارياً، بل هو صبغة من الله للإنسان، ومعنى ذلك أنه قد خلقه وخلق معه الإحسان في آن واحد، وهذا ما اشترطه على نفسه قبل خلقه للإنسان كما مر في الجزء الأول.
أما رجاء فضول الإحسان فإن الله هو المرجو دون غيره من سائر خلقه لأن الأمل الذي أعطاه الإنسان يطمعه في الإلحاح في المسألة، ومن هنا أتاح له الدعاء ووعده بالإجابة. والرجاء من الإنسان لإحسان الله - سبحانه - هو من أعظم العبادات التي ترصد في عمله لأنه عبادة لا تتردد بين القبول والرد، لأن هذه الحالة التي تعتري الإنسان لا يمكن أن تصدر منه إلا بعد الإخلاص، وإن لم يكن في جميع الطاعات، إلا أنها بخصوصها لا تحتمل إلا وجهاً واحداً هو اللجوء إلى الله في ساعة العسرة والرجاء لنواله وعطائه.
وأما الخوف من الله فإنه وارد ولكن فيمن عرفه وقدره دون غيره وقد وعد أهله الثواب الجزيل الذي أعده لعباده الصالحين كما تمدحهم بذلك في كتابه العزيز، قال تعالى: ﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ (5) وقال تعالى: ﴿يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً﴾ (6).
وهذا الخوف الذي يذكر بهذا المعنى ليس خوفاً من تعديه وظلمه، فإن ذلك لا يقال في حقه - تعالى - ولكن الخوف بهذا الإعتبار من الإنسان يأتي في ضمن عدم ثقته بعمله، وإشفاقه على نفسه من التقصير والتفريط في جنب الله، وبما أن الله قادر مريد فإنه يتصرف مع عبده بعدله أو يعامله بعفوه ورحمته.
الهوامش:
(1) سورة المائدة، آية: 95.
(2) سورة سبأ، آية: 51.
(3) سورة المدثر، آية: 4.
(4) سورة البقرة، آية: 138.
(5) سورة النور، آية: 37.
(6) سورة الإنسان، آية: 7.

الردود والتعليقات (0)
أضف رداً على المقال