![]() |
| شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام |
قال عليه السلام : [ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وأَعِنِّي عَلَى بَوَائِقِ الدَّهْرِ ، وَصُرُوفِ الْأَيَّامِ واللَّيالِي ، وَنَجِّنِي مِنْ أَهْوَالِ الدُّنْيا ، وَكُرُبَاتِ الآخِرَةِ ، وَاكْفِنِي شَرَّ مَا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ فِي الْأَرْضِ ]. اللُّغَة بوائق : جمع بائقة ، والبائقة الداهية ، وداهية بؤوقة شديدة وهي على وزن فعول. وفي الحديث ( ليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ). وفي رواية ( لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ). قال الكسائي وغيره : بوائقه غوائله وشره أو ظلمه وغشمه ، ويقال للداهية والبلية تنزل بالقوم : أصابتهم بائقة. وفي حديث آخر : ( أللهم إني أعوذ بك من بوائق الدهر ). قال أبو شفيق : تراها عند قبتنا قصيراً وتبذلها إذا باقت بؤوق وقال ابن الإعرابي : يقال باقه يبوق بوقاً إذا جاء بالبوق وهو الكذب. والبوق الباطل أيضاً. صروف : صرفان الليل والنهار، وقوله تعالى : ﴿صَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾ أي بيناها وصروف الليالي والايام ما يحدث فيهما. وقال يونس : الصرف الحيلة ، والصرف : أن تصرف إنساناً عن وجه يريده. والصرفة : منزل من منازل القمر وهو نجم واجد نيّر تلقاء الزبرة ، خلف خراتي الأسد ، يقال انه قلب الأسد إذا طلع أمام الفجر فذلك الخريف ، وإذا غاب مع طلوع الفجر فذلك أول الربيع ، والعرب تقول : الصرفة ناب الدهر ؛ لأنها تفتر عن البرد أو عن الحر في الحالتين. وتصريف الرياح صرفها من جهة إلى جهة ، وصرف الدهر حدثانه ونوائبه والصرف حدثان الدهر وهو إسم له لأنه يصرف الأشياء عن وجوهها. قال صخر : عاودني حبها وقد شحطت صرف نواها فإنني كمد أهوال : جمع هول ، والهول المخافة من الأمر لا يدري ما يهجم عليه منه ، كهول الليل وهول البحر ، وتجمع أيضاً على هؤول. قال أبو زيد : رحلنا من بلاد بني تميم إليك ولم تكائدنا الهؤول والتهويل التفزيع. قال الأزهري : أمر هائل ، ولا يقال : مهول إلا في الشعر واستدل على ذلك بقوله أحدهم : ومهول من المناهل وحش ذي عراقيب آجن مدفان ومكان مهيل أي مخوف والتهاويل جماعة التهويل ، وهو ما هالك من شيء والتهاويل الألوان المختلفة من الأصفر والأحمر ، وهولت المرأة تزينت بزينة اللباس والحلي. كربات : جمع كربة ، والكرب منها على وزن الضرب : الحزن والغم الذي يأخذ بالنفس وجمعه كروب ، والإسم الكربة والكريب ، والمكروب والكرائب الشدائد ، وكل شيء دنا فقد كرب ، وهو عند سيبويه أن الأفعال التي لا يستعمل إسم الفاعل منها موضع الفعل الذي هو. كربت الشمس للمغيب دنت ، وكربت الجارية أن تدرك. وكرب النخل أصول السعف. وفي المحكم : الكرب أصول السعف الغلاظ العراض التي تيبس فتصير مثل الكتف ، واحدتها كربة. البيان لما كانت الصلاة على محمد وآل محمد هي من أقرب القربات إلى الله ، ومن أعظم العبادات وأرجحها في كفة القبول ـ كما وردت بذلك الأخبار عن أهل البيت الطاهر ـ لا غرو إذاً أن كرر ـ عليه السلام ـ ذكر هذه الصلاة في كثير من الفقرات في مطاوي هذا الدعاء الشريف. ولقد كررنا القول بأن العبادة ـ والدعاء منها طبعاً ـ تكون مقبولة إذا كانت محفوفة ما بين بدايتها ونهايتها بهذه الصلاة ، كما ذكر ذلك الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ في ما معناه : بأن الله أكرم من أن يقبل طرفي العبادة ويرد وسطها. ولقد جرى ذكر ذلك وأكثر من ذلك فيما مضى من أبحاث الكتاب فليرجع إليها في مضانها من أراد مزيداً من الإطلاع. وبعد أن قدم لطلبه بهذه الصلاة ليضمن قبول الطلب من الله ـ سبحانه ـ قال : ( وأعني على بوائق الدهر ، وصروف الأيام والليالي ). إن مسألة طلب العون من الله ـ سبحانه ـ جارية في لهجة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ فيما ورد من الأدعية والأذكار ، بل هي جارية على لسان العباد جميعاً ، ولكن يتفاوت الإخلاص في القول والفعل ، فإن هناك فرقاً بين دعوة النبي أو الإمام التي لا يحجبها حاجب عن وصولها عن الله ـ تعالى ـ ، وبين دعوة سائر البشر الذين تحجب دعواتهم عن الوصول إلى الله الذنوب كبيرها وصغيرها. وبوائق الدهر كثيرة طالما أن الإنسان خلق في هذه الدنيا لأنها دار قد حفت بالمكاره والصعاب وتجشم الأهوال. قال تعالى : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾(١) ، فقد ذكر المفسرون أن معنى الكبد الشدة ، وقيل : معناها مكابدة الدنيا والآخرة. وقال مجاهد ، وأبو صالح ، وإبراهيم النخعي وغيرهم : معناه في انتصاب مقامه ، فكأنه في شدة قوام مخصوص بذلك من سائر الحيوان. قال لبيد : يا عين هلا بكيت أربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبد أي في شدة نصب ، فالكبد في اللغة شدة الأمر ، فينبغي للإنسان أن يعلم أن الدنيا دار كدٍ ومشقة ، وأن الجنة هي دار الراحة والنعمة(٢). وقال في الميزان : الكبد الكد والتعب ، واشتمال الكبد على قلق الإنسان وإحاطة الكد والتعب به في جميع شؤون حياته مما لا يخفى على ذي لب ، فليس بقصد نعمة من نعم الدنيا إلا خالصة في طيبها محضة في هنائها ، ولا ينال شيئاً منها إلا مشوبة بما ينغص العيش مقرونة بمقاساة ومكابدة مضافاً إلى ما يصيبه من نوائب الدهر ويفاجئه من طوارق الحدثان(٣). ونعود للتأكيد على هذا المعنى ونحاول قدر الإمكان ان نلقي لمحة خاطفة على مهمة الإنسان العاقل في هذه الحياة ، وتسيير أمورها ، ومدى الدور الذي يؤديه فيها لكي يبلغ إلى درجات الكمال العالية فنقول : خلق الله الإنسان وأناط به مهمات أوجبها عليه ، ووعده بالجزاء على فعلها وتوعده على إهمالها. والإنسان في محاولته بامتثال هذه الأوامر والانتهاء بهذه النواهي لا بد أن يصادف عقبات تفرضها عليه الظروف المحيطة به من الجهات الست ، في محاولته التغلب على هذه العقبات بما أوتي من حول وطول. ولكن مهما حاول الإنسان أن يتغلب على ذلك فإنه لا يمكنه إلا بسبب من الله وعونٍ منه ، فلا غرو أن طلب الإنسان من الله العون على ما يصرفه عن مهماته وأداء واجبه. هذه البوائق تختلف باختلاف البيئات الإجتماعية والزمانية وما أكثرها. إن بوائق الدهر تلازم الإنسان منذ أن يفتح عينيه على هذه الدنيا حتى يغمضهما في قبره إلا أنها مرة تكون بوائق فردية تخص الإنسان في نفسه كالمرض والفقر والحرمان. وهذه تؤدي إلى بلبلة الفكر الإنساني حتماً. ويعتمد ذلك على قوة الشخصية وهيمنتها وضبط النفس وصلابة موقفها بالنسبة لتلك الصعاب فيكون الإنسان مرة كالجبل الأشم الذي تنحسر عنه الرياح العاتية واللينة يميناً وشمالاً. ومرة يكون كالسعفة التي تزعزعها الريح العاتية. ومرة يكون كالريشة التي تحملها الرياح الخفيفة منها والعاتية إلى مهاوٍ مختلفة من بقاع الأرض. وإذا كانت الحياة على هذه الشاكلة فإنه لا بد وأن يطلب الإنسان من الله النجاة ؛ لأنه لا يستطيع أن يرى ما يكنه المستقبل من الأهوال التي تنضم في حنايا الأيام والليالي وتختبىء بين ساعات المستقبل ، وهذا ما فعله ـ عليه السلام ـ بعد أن طلب من الله الإعانة على هذه الأهوال والبوائق وذلك بقوله : ( ونجني من أهوال الدنيا وكربات الآخرة ) لأن العافية خير من الإبتلاء فهو بعد ان طلب العون على هذه البوائق من الدهر وصروف الأيام والليالي ترقى في طلبه إلى النجاة من هذه الأهوال في الدنيا والآخرة علماً منه ـ عليه السلام ـ أن العافية خير من الإبتلاء. أما أهوال الدنيا وصعاب الحياة فإنها لا تحتاج إلى أدنى تأمل. فإن الإنسان عندما خلق في كدّ وتعب والذي إشار إليه القرآن ( بالكبد ) بفتح الكاف والباء ، والذي بحثناه في ما مر تواً ، فإنه يكون بديهياً أن تنتاب الإنسان أهوال الدنيا. فالحوادث التي تعتريه وتلم به نتيجة الأنانيات وسائر النزعات الفاسدة من أبناء جنسه ومن غيرهم يغرق فيها الإنسان إلى مشاشه. والإنسان كسائر المخلوقات يعتريه ما يعتري الأحياء ، ومملكة الإنسان كسائر الممالك الحيوانية سواء كانت في البر أو البحر أو الجو ، وكل جنس من هذه الأجناس في أي مملكة من الممالك الحيوانية له مشاكله الخاصة على قدره ، ونحن لا نعلم بمشاكل غيرنا من الأجناس الحيوانية ، بل ولا نعلم بمشاكلنا كأفراد جنس واحد ، بل ولا نعلم بمشاكل أنفسنا كلها ، فربما ينشأ مرض يتعقب الإنسان في جميع مراحل حياته ، وربما يكون هذا المرض سبباً قوياً في وفاة كثير من الناس ولا يعلم المريض عن نفسه شيئاً حتى يموت وهذا ما يلاحظ في كثير من المجتمعات المتخلفة حضارياً ، بل ربما كان هذا جارياً حتى في المجتمعات الراقية في حضارتها كما يلاحظ من ردود الفعل الأخرى من الحضارة المغرقة ، فربما نشأت بسبب ذلك بعض الأمراض والمشاكل التي يقف أمامها الفكر والقانون حائرين وما كانت نشأة الإختصاصات في العلوم وتكريس الجهود في دراسة بعض أعضاء الإنسان كلٌّ على حده إلا لكي يتسنى معرفة الأمراض التي تلم به وأسبابها التي تنشأ عنها. وعلى هذا يمكن القول أيضاً بأن أهوال الدنيا تكون عامة كما هي خاصة ، وبواعث الفتن ومصادرها متعددة الجوانب. فكم من ويلات أكتوت بها البشرية نتيجة للأنانيات والأطماع التي لا تقف عند حد بدافع من جشع الإنسان وغروره. ولكن هذا الغرور لا يلبث أن يختفي عند أول ضربة يصاب بها. وهو كعادته في حاجة إلى أن يخلق من أفعاله الخسيسة وتصرفاته المتهورة سبباً يقتنع به ويقنع به الآخرين إلا أن هذا لا يثبت أمام الواقع ونراه يتلاشى عندما يصطدم بالحقيقة. وإذا تأملنا في تاريخ الأمم والشعوب وجدناه مليئاً بالحروب الطاحنة الشرسة التي يتحول فيها الإنسان إلى وحش كاسر لا يعرف شيئاً عن الأخلاق والقيم ، وينسى فيها الرحمة والشفقة. الهوامش: (١) سورة البلد ، آية : ٤. (٢) التبيان : ج١٠ ص ٢٥٠. (٣) الميزان : ج٢٠ ص ٢٩١. |

الردود والتعليقات (0)
أضف رداً على المقال