| الشيخ عباس الريس |
قال عليه السلام : [ يَا مَنْ دَعَوْتُهُ مَرِيضاً فَشَفَانِي ، وَعُرْيَاناً فَكَسَانِي ، وَجَائِعاً فَأَطْعَمَنِي ، وَعَطْشَاناً فَأَرْوَانِي ، وَذَلِيلاً فَأَعَزَّنِي ، وَجَاهِلاً فَعَرَّفَنِي ، وَوَحِيداً فَكَثَّرَنِي ، وَغَائِباً فَرَدَّنِي ، وَمُقِلًّا فَأَغْنَانِي ، وَمُنْتَصِراً فَنَصَرَنِي ، وَغَنِيّاً فَلَمْ يَسْلُبْنِي ، وَأَمْسَكْتُ عَنْ جَمِيعِ ذٰلِكَ فَابْتَدَأَنِي ] .
اللُّغَةمقلاً : القلة خلاف الكثرة ، والقل خلاف الكثير ، وأقل أتىٰ بقليل ، وقلله في عينه أراه قليلاً ، والمقل المقصر وهذا اللفظ يستعمل في نفي بعض الشيء كقوله - تعالى - : ﴿فقليلاً ما يؤمنون﴾(١) وقال لبيد :
يسلبني : سلبه الشيء يسلبه واستلبه إياه . والإستلاب الإختلاس وواحد الأسلاب سلب . وفي الحديث من قتل قتيلاً فله سلبه ، وربما قالوا إمرأة سلب . قال الراجز :
البيانالدعاء في جميع حالاته عبادة ، وإنما يتفاوت الإنسان فيه باعتبار إخلاصه ، فهو من المعاني المشككة . على أن هناك ظروفاً تفرض على الإنسان أن يدعو الله مخلصاً ، وذلك فيما إذا أصيب بنازلة أعيته أن يكشفها كالمرض الذي لا يمكن أن ينكشف إلاّ بإذنه - سبحانه - وفي هذا النص الماثل أمامنا إشارة إلى هذا الإنقطاع : ( يا من دعوته مريضاً فشفاني ) . فالدعاء في مثل هذا الظرف أقرب للإجابة ؛ لأن الإنسان في ساعة العسرة يخلص إلى الله في دعائه مرغماً ، بخلاف ساعات السعة . فإذا دعا الإنسان مسترحماً لاجئاً إلى الله يجد الله عند ظنه إن ظن به خيراً . وإن الله برحمته التي لا تنقطع وبعطفه الذي لا يتصور يجيب دعوة الداعي إذا دعاه مخلصاً - كما أشار إلى ذلك في الكتاب العزيز - وقد مرّ كثير من الأبحاث التي تعرضنا فيها لموضوع الدعاء في ما تقدم . وهذا الكلام ينطبق أيضاً على ما تعاقب من العبارات في هذا النص ( وعرياناً فكساني ) . والعراء ربما يكون المقصود منه في هذا المقام عدم الساتر عامة ، وربما يقصد الستر على الأفعال القبيحة التي تصدر من الإنسان كإنسان ؛ لأنه قد سبق أن قلنا في البحث السابق أنه - عليه السلام - يتحدث نيابة عن الناس جميعاً ، ويخاطب الخالق بلسانه نيابة عنهم ؛ لأنه إمامهم ، وربما قصد - عليه السلام - من الكسوة الدفء الذي يحصل عليه الإنسان منها ، بمعنى الإطمئنان إلى الله - تبارك وتعالى - بعد أن تعذرت عليه المذاهب ، ورأى أن لا ملجأ منه - سبحانه - إلاّ إليه . ( وجائعاً فأطعمني ، وعطشاناً فأرواني ) والإطعام معناه الرزق الذي تكفل به المولىٰ ؛ لأنه لا يمكن أن يتصور إطعام بدون رزق ، وكذلك الإرواء له ملازمة بالإطعام ؛ لأن الجسم كما يحتاج إلى الطعام ، يحتاج إلى الماء . وقد قال ساجع العرب : إن الجوع مسغبة، والعطش ملهبة . وإذا تأملت في هذا الأسلوب وجدته كالبنيان المرصوص وكل كلمة منه قد أخذت برقبة أختها ؛ فالإطعام مثلاً لا تظهر فائدته وتعرف قيمته إلاّ عند الجوع ، لأن الإطعام على الشبع ينعكس المقصود منه فيصبح محنة على الإنسان . وكذلك القول في العطش والإرواء فإنه لا يقدر الماء ويشعر بالحاجة إليه إلاّ من كان عطشاناً ، أما غيره فربما نسي الماء ، ولم يشعر بالحاجة إلى الإرواء . ثم قال - عليه السلام - : ( وذليلاً فأعزني ) والذل بمفهومه الخاص هو الخضوع لمن لا يستحق ذلك ، والذل الذي ذكره في العبارة هو من النوع الخاص الذي يكون به الإنسان ذليلاً . أما الذل في مفهومه العام فهو يشمل هذا وغيره ، بمعنىٰ أنه قد يأتي نوع من الذل ولكنه يشمل هذا وغيره ، بمعنىٰ أنه قد يأتي نوع من الذل ولكنه لا يكون ذلاً ، وقد تعرّض القرآن الكريم لهذا النوع من الذل فقال - سبحانه - : ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيراً﴾(٢) . قال السيد الطباطبائي في الميزان : خفض الجناح كناية عن المبالغة في التواضع والخضوع قولاً وفعلاً ، مأخوذ من خفض فرخ الطائر جناحه ليستعطف أمه لتغذيته ، ولذا قيده بالذل ، فهو دأب أفراخ الطيور إذا أرادت الغذاء من أمهاتها ، فالمعنى واجههما في معاشرتك ومحاورتك مواجهة يلوح منها تواضعك وخضوعك لهما ، وتذللك قبالهما رحمة بهما . هذا إن كان الذل بمعنى المسكنة ، وإن كان بمعنىٰ المطاوعة فهو مأخوذ من خفض الطائر جناحه ليجمع تحته أفراخه رحمة بها وحفظاً لها . وعليه يمكن القول بأن التواضع والطاعة للوالدين ليسا من الذل ، بل هما من العز المحض ؛ لأن الله قد أمر بذلك وطاعته عز ، وكذلك الذل والخضوع والخشوع لله - سبحانه - ليس ذلاً وإنما هو عز محض لأنه طاعة ، فهو وإن سمّاه في الآية ذلاً إلاّ أن هذا الذل نتيجته عز ، لأن الإنسان إذا أطاع أبويه فمن البديهي أن يحبه أبواه ، وإذا كان محبوباً عند الأبوين صار عزيزاً بالضرورة ، وأحبه الله لأنه أطاعه في أمره بطاعتهما . إذاً فمعنىٰ قوله - عليه السلام - : ( وذليلاً فأعزني ) يعني بلسان حال الناس بعيداً عن الطاعة فقربني إليها ، وهذا ما ينطبق تمام الإنطباق على ما جاء عنهم - عليه السلام - : ( من أراد عزاً بلا عشيرة ، وهيبة بلا سلطان فليخرج من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعته ) . ثم قال - عليه السلام - : ( وجاهلاً فعرفني ) الجهل خلاف العلم والمعرفة ، والمعرفة المشار إليها في العبارة يعني معرفة الله ، والإنسان وإن كان يولد على الفطرة إلاّ أنه يولد وهو جاهل بكل شيء . قال تعالى : ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾(٣) فالآية تقول : إن نفوسكم خالية من هذه المعلومات التي أحرزتموها من طريق الحس والخيال والعقل بعد ذلك . وهي تؤيد ما ذهب إليه علماء النفس ، أن لوح النفس خالية عن المعلومات أول تكونها ، ثم تنتقش فيها شيئاً فشيئاً - كما قيل - وهذا في غير علم النفس بذاتها فلا يطلق عليه عرفاً ( يعلم شيئاً ) . والدليل على ذلك قوله - تعالى - في خلال الآيات السابقة في من يرد إلى أرذل العمر ، ﴿لكي لا يعلم بعد علم شيئاً﴾ فإن من الضروري أنه في تلك الحال عالم بنفسه . وقوله : ﴿وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾ إشارة إلى مبادىء العلم التي أنعم بها على الإنسان ، فمبدأ التصور هو الحس ، والعمدة فيه السمع والبصر ، وإن كان هناك غيرهما من اللمس والذوق والشم ؛ وذلك لأن هاتين الحاستين أكثر إستعمالاً في حياة الإنسان ، ومبدأ الفكر هو الفؤاد . وعلى ما تقدم يمكن القول في هذه العبارة أن الجهل في الصغر ، ثم يتطور الإنسان في مداركه شيئاً فشيئاً . فأول ما يبدأ الإنسان باستعمال حواسه ؛ لأنها أقرب إلى المادية ؛ ولأنه يصعب عليه استعمال العقل إستعمالاً منظماً في مرحلة الطفولة ، وإن حصل على المعلومات الحسية لأنه لا يستطيع أن يغربلها ويميزها ، فتراه في هذه السن يصدق الكثير من الخرافات والقصص الخيالية التي لا واقع لها ، ولو استطاع أن يتحكم في عقله لما صدق ذلك . فإذا تخطىٰ مرحلة الطفولة تعوّد على إستعمال عقله شيئاً فشيئاً وإن كان بشكل فوضوي لكنه لا يعوزه التفكير . وهكذا يتطور في معارفه شيئاً فشيئاً حتىٰ يصل إلى مرحلة القناعة باستخدام العقل ، ومعرفة دوره في سيرة الإنسان . وفي العبارة إشارة إلى أن الله - سبحانه - يريد للإنسان أن يبلغ الغاية الأسمىٰ في العلم وهي المعرفة التي تختص بمعرفة الله - تعالى - وهي غاية الغايات . أما قوله - عليه السلام - : ( ووحيداً فكثرني ) فيحتمل فيه أمران . ١ - أن الكثرة تعني القوة ، والوحدة تعني الضعف ، ومعنىٰ ذلك أن الإنسان ضعيف مهما بلغت قوته ، ووحيدٌ مهما بلغت كثرة أعوانه ، وفقيرٌ مهما بلغت ثروته ، فلا يكون قوياً إلاّ بالله ؛ لأنه هو القوي العزيز ، ولا يكون غنياً إلاّ بالله ؛ لأنه هو الغني الحميد ، فهو في هذه العبارة يستمد قوته من الله ويعتز بعزته . ٢ - أن المقصود بذلك هو كثرة الأرحام ومن ثمّ كثرة العشيرة التي تعلق بها الإنسان وينتمي إليها ، فيعتز بها ويستند إليها لكثرتها . وهناك إحتمالات أخرىٰ يتنبه إليها المتأمل اللبيب . ثم قال : ( وغائباً فردّني ) والغائب عادة ما يكون تائهاً حائراً ذليلاً ، وذلك لعدم معرفته بالآخرين ، فإذا ما رجع إلى وطنه عادت إليه عزّته . فالوطن ومسقط الرأس يحن إليهما الإنسان بفطرته كما تحن الطيور إلى أوكارها . قال الشيخ عبد الحسين الحلّي - رحمه الله - في قصيدة له بعنوان الوطن :
إلى أن يقول :
أما قوله - عليه السلام - : ( ومقلاً فأغناني ) فالقلّ كما ورد تفسيره في فصل اللغة هو قليل المال ، وهذا زيادة تفضل من الله - سبحانه - لأنه قد تعهد للإنسان بالرزق ، وما زاد عن ذلك فهو تفضل وزيادة من الخير ، وهذا إعتراف بالنعمة ضمناً في هذا الإطار . ثم قال - عليه السلام - : ( ومنتصراً فنصرني ) والإنتصار من الله - سبحانه - طلبه أولى من طلبه من الناس ؛ لأن القوة لله جميعاً ، والإنسان مهما قوي فهو ضعيف ، وطلب النصر من الضعيف الذي لا يملك لنفسه حولاً ولا قوة هو كمن يطلب الطيران من النوق . على أن طلب النصر من الإنسان ربما يكون مرفوضاً ؛ وذلك تبعاً للعلاقات الإنسانية المختلفة من صداقة وعداوة وقرب وبعد ؛ لأن هذه العلاقات لها آثارها السلبية والإيجابية على صيغة الإستجابة لذلك الطلب . أما النصر من الله فهو قريب كما وعد بذلك في كتابه المجيد . قال - تعالى - : ﴿بل الله مولاكم وهو خير الناصرين﴾(٤) وقوله - تعالى - : ﴿وإن الله على نصرهم لقدير﴾(٥) وسيوافينا قريباً بحث حول النصر وأسبابه إن شاء الله - في شرح النص اللاحق . ثم قال - عليه السلام - : ( وغنياً فلم يسلبني ) لأنه لا حاجة له في المال ؛ ولأن ذلك لا يكون إلاّ بدافع الحسد ، فإن الحاسد يتمنىٰ زوال النعمة للآخرين وقد أنزل الله سورة كاملة في القرآن أمر الناس فيها أن يستعيذوا بالله من الحاسد قال تعالى : ﴿بسم الله الرحمٰن الرحيم : قل أعوذ بربّ الفلق ، من شر ما خلق ، ومن شر غاسق إذا وقب ، ومن النفاثات في العقد ، ومن شر حاسدٍ إذا حسد﴾ . أما المؤمن فإنه يغبط ولا يحسد . والغبطة هو أن يتمنىٰ الإنسان خيراً كخير فلان ، ولكنه لا يتمنىٰ خير فلان ، أي أنه لا يتمنى إنتقال خير فلان إليه ويبقى ذلك صفر الأنامل ، بل يسأل الله أن يعطيه من فضله كما أعطى غيره . ثم إنه لا يغيب عن أذهاننا بأن هذا الغنىٰ هو من الله أعطاه الإنسان فكيف يسلبه منه مرة أخرىٰ ؟ ولكن هناك أسباب تدعو إلى سلب النعمة ، واسترجاعها من الإنسان مرة أخرىٰ ، إما لغرض التأديب ، وإما لغرض المحافظة على هذه النعمة ؛ وذلك فيما إذا قصر الإنسان عن القيام بحفظها وشكرها ؛ لأن شكر النعمة هو باب آخر يفتحه الإنسان لمضاعفة الغنىٰ وزيادة الخير ، قال - تعالى - : ﴿وإذ تأذن ربّكم لئن شكرتم لأزيدنكم وإن كفرتم إن عذابي لشديد﴾(٦) . وقد استدل بالآية على وجوب شكر المنعم ، وفيها أيضاً أن هذا التأذن ليس إلاّ نعمة للشاكرين منهم خاصة ، وأما غيرهم فهو نقمة عليهم وخسارة . وقد بين تعالى هذه الحقيقة ، وهي كون الشكر موجباً لمزيد النعمة ، والكفر لشديد العذاب . ومن لطيف كرمه - تعالى - اللائح كما ذكره بعضهم في الآية اشتمالها على التصريح بالوعد ، والتعريض في الوعيد حيث قال : ﴿لأزيدنكم﴾ ، وقال : ﴿إن عذابي لشديد﴾ ، ولم يقل لأعذبنكم ، وذلك من دأب الكرام في وعدهم ووعيدهم غالباً . وبعد أن عدد هذه النعم تفصيلاً إعترف بها إجمالاً ، وأن الله - سبحانه وتعالى - يبتدىء بالعطاء قبل أن يسأله العبد ، وهذا غاية الرحمة والشفقة والعطف والمحبة بالإنسان ، وقد تقدم بحث ذلك في كلام سابق . وهذا الإجمال أما لأن النعم خارجة عن حدّ الإحصاء ، وأما للإعتراف بالعجز عن تعدادها وفي كلا الوجهين قوة . فقوله - عليه السلام - : ( وأمسكت عن جميع ذلك فابتدأتني ) معناه أنني عندما أمتنع عن السؤال بأي مانع كان ، لأي حاجة تبتدئني بالعطاء ، وإن لم أسألك ؛ لأنك عالم بحاجتي مصطلع على جميع أحوالي ؛ لأنك علاّم الغيوب ، فأنت تعطي قبل السؤال ، وتنعم في هذا العطاء ، والعطاء مستمر لا ينقطع ، والرعاية دائمة منذ أن يفتح الإنسان عينيه على الدنيا حتى يطبقهما . وسواءً كان الإمساك عن غفلة أو عن عدم إعتقاد فإن ذلك كله لا يمنع من الإبتداء بالرزق والعطاء ، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة وقلنا فيما هنالك بأنها لا دخل لها في الكفر والإيمان ، وقلنا أيضاً بأن الله عندما خلق الإنسان لم يكله إلى نفسه طرفة عين ، وقد بات هذا من المسلمات التي لا تحتاج إلى بحث بعد أن أسهب القرآن في ذكر ذلك ضمن الإطار العام للتفضل والإكرام والرحمة بالإنسان وغيره من الموجودات . الهوامش
|
الردود والتعليقات (0)
أضف رداً على المقال