مجلس الشيخ عباس الريس

الدراز - البحرين
مقالات مختارة

قبسات من شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام

محتويات المقال


    الشيخ عباس الريس 





    قال عليه السلام :

    [ يَا مَنْ أَرْسَلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ، يَا مَنْ لا يَعْجَلُ عَلَى مَنْ عَصَاهُ مِنْ خَلْقِهِ ، يَا مَنِ اسْتَنْقَذَ السَّحَرَةَ مِنْ بَعْدِ طُولِ الْجُحُودِ ، وَقَدْ غَدَوْا فِي نِعْمَتِهِ ، يَأْكُلُونَ رِزْقَهُ ، وَيَعْبُدُونَ غَيْرَهُ ، وَقَدْ حَادُّوهُ وَنَادُّوهُ ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ ] .

    اللُّغَة

    الرياح : الريح نسيم الهواء ، وكذلك نسيم كل شيء ، والريحة طائفة من الريح ، ويدل الواحد على ما يدل عليه الجمع ، وجمعها رياح وأرواح .

    قال الجوهري : الريح واحدة الرياح وجاءت بالياء لإنكسار ما قبلها . ويقال الريح لآل فلان أي النصر والدولة ، وفي الحديث كان يقول إذا هاجت الريح : اللّهم إجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً . وفي معنىً آخر في الحديث أيضاً الريح من روح الله أي من رحمته بعباده ، وراح الشجر وجد الريح وأحسها .

    مبشرات : البشر لكسر الباء الطلاقة ، واستبشر وتبشر فرح ، وفي التنزيل : ﴿فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به﴾(١) قال ساعدة بن جؤية :

    فبينا تنوح استبشروها بحبها ... على حين أن كل المرام تروم

    والبشارة المطلقة لا تكون إلاّ بالخير ، وإنما تكون بالشر إذا كانت مقيدة كقوله تعالى : ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾(٢) . والإسم البشرىٰ قال تعالى : ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾(٣) . قال عطية بن زيد الباهلي :

    وإذا رأيت الباهشين إلى العلى ... غبراً أكفهم بقاع ممحل فاعنهم وابشر بما بشروا به ... وإذا هم نزلوا بضنك فانزل

    عصاه : العصيان خلاف الطاعة . عصى العبد ربّه إذا خالف أمره فهو عاص ويقال للجماعة إذا خرجت عن طاعة السلطان : قد استعصت عليه . واستعصىٰ عليه الشيء اشتد . كأنه من العصيان ، وأنشد ابن الإعرابي :

    علق الفؤاد بريق الجهل ... فأبر واستعصىٰ على الأهل

    والعاصي الفصيل إذا لم يتبع أمه لأنه كان يعصيها ، والعاصي العرق الذي لا ينقطع دمه .

    استنقذ : قال الجوهري : أنقذه من فلان ، واستنقذه منه أي نجاه وخلصه . قال ابن الإعرابي :

    وزفت بقوم آخرين كأنها ... نقيذ حواها الرمح من تحت مقصد

    وقال المفضل : النقيذة الدرع لأن صاحبها إذا لبسها أنقذته من السيوف .

    السحرة : السحر عمل يتقرب فيه إلى الشيطان ، بمعونه منه كل ذلك الأمر كينونة للسحر . ومن السحر الأخذة التي تأخذ العين حتىٰ يظن أن الأمر كما يرىٰ ، وليس الأصل على ما يرىٰ . وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر ، ومنه قوله تعالى : ﴿قال : القوا ، فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم﴾(٤) وجاء في المأثور ( إن من البيان لسحراً ) .

    قال الأزهري : وأصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره فكأن الساحر لمّا رأى الباطل في صورة الحق ، وخيل الشيء على غير حقيقية قد سحر الشيء عن وجهه ، أي صرفه . قال الكميت :

    وقال إليها الحب فانقاد صعبه ... بحب من السحر الحلال التحبب

    يريد : أن غلبة حبها كالسحر وليس به ؛ لأنه حب حلال ، والحلال لا يكون سحراً ؛ لأن السحر كالخداع وهو حرام .

    الجحود : الجحود والجحد نقيض الإقرار ، كالإنكار والمعرفة ، وقال الجوهري : الجحود الإنكار مع العلم ، والجحد بفتح الجيم وضمها وسكون الحاء الضيق في المعيشة ، وأنشد بعض الأعراب في الجحد :

    لئن بعثت أم الحميدين مائراً ... لقد غنيت في غير بؤس ولا جحد

    والجحد سورة في القرآن ، وتسمى ( سورة الكافرون ) وهي ما بين الكوثر والنصر .

    حادّوه : المحادة المخالفة ومنع ما يجب عليك . والمحادة : المعاداة والمخالفة والمنازعة ، وهو مفاعلة من الحد ، كأن كل واحد منهما يجاوز حده إلى الآخر . وحدود الله - تعالى - الأشياء التي بين تحريمها وتحليلها ، وأمر ألا يتعدى شيء منها فيتجاوز إلى غير ما أمر فيها أو نهى عنها ومنع من مخالفتها قال تعالى : ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها ، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾(٥) . وأحدها حد ، ومنها حد القاذف والزاني ، وشارب الخمر وغير ذلك .

    نادوه : الند جمعها الأنداد ، وهي بالكسر مثل الشيء الذي يضاده في أموره ، ويناده أي يخالفه . والأصنام هي الأنداد والمقصود بها ما كانوا يتخذونه آلهة من دون الله ، وهو بزعمهم ند لله ، تعالى عن ذلك علواً كبيراً . وفي التنزيل العزيز قال تعالى : ﴿واتخذوا من دون الله أنداداً﴾(٦) .

    قال الأخفش : الند الضد والشبه ، وقال أبو الهيثم : يقال للرجل إذا خالفك فأردت وجهاً تذهب به ونازعك في ضده : فلان ندي ونديدي للذي تريد خلاف الوجه الذي تريد ، قال حسان :

    أتهجوه ولست له بند ... فشركما لخيركما الفداء

    والند بفتح النون ضرب من الطيب يدخن به ، وربما يقال للعنبر الند ، والند التل المرتفع في السماء ، وهي لغة يمانية .

    البيان

    في هذه الفقرة لا زال يواصل تضرعه ومناجاته لربّه ، والتعرض لرحمته - تبارك وتعالى - بواسطة صفاته التي تمتاز بالرحمة والشفقة على عباده . فقال - عليه السلام - : ( يا من أرسل الرياح مبشرات بين يدي رحمته .. ) في هذا المعنىٰ جاء قوله - تعالى - : ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾(٧) وقوله تعالى : ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته حتىٰ إذا أقلت سحاباً ثقالاً سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتىٰ لعلكم تذكرون﴾(٨) وقوله تعالى : ﴿وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً﴾(٩) قال المفسرون : البشر بضمتين - وهو الأصل - جمع بشير كالنذر جمع نذير ، والمراد بالرحمة المطر أي قدّام المطر ، وفيه إستعارة تخييلية بتشبيه المطر بالإنسان الغائب الذي ينتظره أهله ، فيقدم وبين يديه بشير يبشر بقدومه . قال تعالى : ﴿فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيراً﴾(١٠) .

    والمراد بكونه الرياح مبشرات تبشيرها بالمطر حيث تهب قبيل نزوله . قاله السيد الطباطبائي في الميزان .

    أما الرحمة التي تبشر بها الرياح فهي ناتجة عن أسباب متعاقبة ، فالرياح تقل السحاب ، والسحاب يقل المطر الذي ينزل على الأرض فيسقيها ، ويختزن جزء منه في باطنها لحاجة الإنسان في شرابه وسائر حاجاته ، ومنه ما يسقي الزروع فتهتز الأرض به ، وتكتسي بلون أخضر بعد أن كانت جرداء يأكل منه الإنسان والحيوان ، ثم الرياح - أيضاً - تدفع العفونات وتصفي الأجواء وتلقح الأشجار بعضها من بعض ، وذلك ما أشار إليه قوله - تعالى - : ﴿وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماءً فأسقيناكموه﴾(١١) . وكذلك جريان الفلك بواسطة الرياح وهبوبها وغير ذلك مما يشمله إطلاق اللفظ . وقد عدّها العادّون إلى ما يقارب من العشرين نوعاً من الرياح ، وليس بنا حاجة إلى عدّ كل منها والحديث عنها .

    وهي ضرورة ملحة لحياة الإنسان واستمرار وجوده ، وإذ تطرقنا إلى هذه العنصر الحيوي في حياة الإنسان ينبغي أن نبحث عن أسباب حركته والمؤثرات في اتجاهاتها .

    الهوامش

    • (١) سورة التوبة ، آية : ١١ .
    • (٢) سورة آل عمران ، آية : ٢١ .
    • (٣) سورة يونس ، آية : ٦٤ .
    • (٤) سورة الأعراف ، آية : ١١٦ .
    • (٥) سورة البقرة ، آية : ٢٢٩ .
    • (٦) سورة البقرة ، آية : ٢٢ .
    • (٧) سورة الروم ، آية : ٤٦ .
    • (٨) سورة الأعراف ، آية : ٥٧ .
    • (٩) سورة الفرقان ، آية : ٤٨ .
    • (١٠) سورة يوسف ، آية : ٩٦ .

    الردود والتعليقات (0)

    لا توجد ردود بعد على هذا المقال. كن أول من يشارك برأيه أو تعليقه!

    أضف رداً على المقال