قال عليه السلام:
[يَا ذَا الْمَعْرُوفِ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ أَبَداً ، يَا مُقَيِّضَ الرَّكْبِ لِيُوسُفَ فِي الْبَلَدِ الْقَفْرِ ، وَمُخْرِجَهُ مِنَ الْجُبِّ ، وَجَاعِلَهُ بَعْدَ الْعُبُودِيَّةِ مَلِكاً ، يَا رَادَّ يُوسُفَ عَلَى يَعْقُوبَ بَعْدَ أَنِ ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ، يَا كَاشِفَ الضُّرِّ وَالْبَلاءِ عَنْ أَيُّوبَ ، يَا مُمْسِكَ يَدِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ ذَبْحِ إِبْنِهِ بَعْدَ أَنْ كَبُرَ سِنُّهُ ، وَفَنِيَ عُمُرُهُ ، يَا مَنِ اسْتَجَابَ لِزَكَرِيَّا فَوَهَبَ لَهُ يَحْيَى ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ فَرْداً وَحِيداً ، يَا مَنْ أَخْرَجَ يُونُسَ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ ، يَا مَنْ فَلَقَ الْبَحْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَنْجَاهُمْ ، وَجَعَلَ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ مِنَ الْمُغْرَقِينَ].
اللغة
أبداً: ظرف زمان منصوب، وهي تدل على الزمان الغير محدود.
مقيض: قيض الله فلاناً لفلان جاء به وأتاح له وقيض له قريناً هيئه وسببه من حيث لا يحتسبه وفي التنزيل العزيز قوله - تعالى - : ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ (١) قال الزجاج : أي نسبب له شيطاناً يجعل الله ذلك جزاءه. وقال بعضهم : لا يكون (قيض) إلا في الشر، واحتج بالآية. قال ابن بري : ليس ذلك بصحيح، فإنه قد نسب إلى النبي - صلى الله عليه وآله - ( ما أكرم شاب شيخاً لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه ). وكلامه - عليه السلام - في فقرة الدعاء شاهد بذلك.
الركب : قال تعالى : ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ (٢) لجواز أن يكونوا ركب خيل، وأن يكونوا ركب إبل، وهو إسم للجمع وليس بتكرير راكب وقال الأخفش هو جمع وهم العشرة فما فوقهم ويقال أن الركب قد يكون للخيل والإبل معاً قال السليك بن السلكة :
ما يدريك ما فقري إليه إذا ما الركب في نهب أغاروا
القفر: والقفرة الخلاء من الأرض وجمعه قفار ويقال أرض قفر وقيل: القفر لا مفازة ولا نبات بها ولا ماء وأقفر الرجل صار إلى القفر وأقفر ذهب طعامه وجاع ويقال أقفر فلان من أهله إذا انفرد عنهم وبقي وحده قال عبيد:
أقفر من أهله عبيد فاليوم لا يبدي ولا يعيد
الجب: البئر مذكر قيل هي الجيدة الموضع من الكلأ وقيل هي البئر الكثيرة الماء البعيدة القعر وقيل لا تكون جباً حتى تكون مما وجد لا مما حفره الناس وبئر مجيبه الجوف إذا كان وسطها أوسع منها. وقالت الكلابية: الجب القليل الواسعة.
كظيم: كظم الرجل غيظه اجترعه وفي التنزيل العزيز قال تعالى : ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ (٣) قال ثعلب: يعني الحابسين الغيظ لا يجازون عليه وكظم البعير إذا أمسك عن السجرة فهو كاظم قال الراعي:
فأفضن بعد كظومهن السجرة من ذي الأبارق إذ رعين حقيلا
وابل كظوم لا تجتر والكظم مخرج النفس ويقال كظمني فلان، وأخذ بكظمه أي بحلقه وأخذ الأمر يكظمه إذا غمه قال أبو غراش :
وكل إمريء يوماً إلى الله صائر قضاء إذا ما كان يؤخذ بالكظم
وفي التنزيل قال تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٤) والكظوم السكوت وكظم على غيظه سكت.
البيان
بدأ في هذه الفقرة بسؤال ربّه ومناجاته ببعض أسمائه وصفاته التي تفرد بها، وهذا الكلام مرتبط كل الإرتباط بالفقرة السابقة.
فعندما يذكر المعروف يتبادر الذهن إلى فعل الخير غير مشوب بالشر. أما قوله ـ عليه السلام ـ : ( يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً ) فالمعروف إسم جنس تحته أنواع مختلفة وجهات متعددة، خصوصاً إذا كان هذا المعروف من الله للعبد، فمعروفه سبحانه لا ينحصر في جهة دون أخرى، ولا ينحصر في نوع دون آخر وهذا ما أشار إليه في هذا الكلام ؛ وذلك لأنه قد يتوقف من جهة ولكنه لا يزال متوفراً من جهات أخرى.
ويضيق الإنسان ذرعاً إذا قتّر عليه رزقه من جهة، ويصاب بخيبة أمل، ويصر المرة بعد الأخرى على حصول رزقه من تلك الجهة، في حين أن الله قد أراد له رزقه من جهة أخرى ولا يريد للإنسان إلا الخير، ولكن الإنسان لا يتكلف عناء البحث عن ذلك. ومبعث ذلك كله هو الرأفة والرحمة بالعباد لأن سبحانه خلق الخلق وجعلهم كحلقات إتصال مع بعضهم البعض يحتاج كل منهم إلى الآخر، لا فرق في ذلك بين الغني والفقير والعالم والجاهل والملك والسوقة، هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد قررنا فيما سبق من مباحث الكتاب أنه سبحانه لم يكل الإنسان إلى نفسه لئلا يهلك، فمعروفه باد للعيان على الإنسان كل الإنسان، المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والحر والعبد، والكبير والصغير، والذكر والأنثى والأبيض والأسود. وفي كل حال في القيام والقعود، والحركة والسكون، واليقظة والنوم.
أما معروف الإنسان فإنه ينقطع على كل حال وقابل للإنقطاع في أي حال. على أن هذا المعروف الإنساني لا شك في كونه محدوداً من حيث الزمان والمكان.
أما من حيث الزمان فإنه لو سلمنا أن ذا المعروف من بني الإنسان وإن توفرت له أسباب الغنى لكي ينفق، وأسباب الرأفة والرحمة لكي يحنو على الضعفاء، فإن ذلك كله مرهون بقاؤه ببقاء ذي المعروف، فإذا مات فقد انقطع، وهذا في أقصى حسن الظن بأهل الخير.
فالمعروف جنس ـ كما قلنا ـ يأخذ أطرافاً متشعبة فمنه معروف الدنيا ومنه معروف الآخرة، ومنه المعروف المادي، ومنه المعروف المعنوي، وكل ما يمكن أن يستفيد منه الإنسان من طرف آخر فهو معروف.
ولقد تعرض بعد ذلك إلى سلسلة من الأحداث التي تتعلق بالأنبياء خاصة ؛ لأنهم النموذج الحي، لعرض سيرة الإنسان المثالي الذي يصلح أن يكون قدوة للناس جميعاً.
فهو يسأل ربّه أن ينجيه من أهوال الدنيا وكرباتها كما أنجى هؤلاء الأنبياء الذين استعرض ما جرت عليهم من محن بلمح خاطف في أسلوب ساحر فاستمع لما يقول: ( يا مقيض الركب ليوسف في البلد القفر، ومخرجه من الجب، وجاعله بعد العبودية ملكاً، يا راد يوسف على يعقوب، بعد أن ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ).
الهوامش:
(١) سورة الزخرف، آية: ٣٦.
(٢) سورة الأنفال، آية: ٤٢.
(٣) سورة آل عمران، آية: ١٣٤.
(٤) سورة النحل - وسورة الزخرف، الآية : ٥٨ ، ١٧ .
الردود والتعليقات (0)
أضف رداً على المقال