![]() |
| الشيخ عباس الريس |
قال عليه السلام : [ أَنْتَ كَهْفِي حِينَ تُعْيِينِي الْمَذَاهِبُ فِي سَعَتِهَا ، وَتَضِيقُ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ، وَلَوْلَا رَحْمَتُكَ لَكُنْتُ مِنَ الْمَفْضُوحِينَ ، وَأَنْتَ مُؤَيِّدِي بِالنَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ ، وَلَوْلَا نَصْرُكَ لِي لَكُنْتُ مِنَ الْمَغْلُوبِينَ ] . اللُّغَة كهفي : الكهف كالمغارة في الجبل إلّا أنه أوسع منها ، فإذا صغر فهو غار ، وفي الصحاح : الكهف كالبيت المنقور في الجبل ، وجمعه كهوف . ويقال : فلان كهف فلان ، أي ملجأ ، ويقال : فلان كهف أهل الريب إذا كانوا يلوذون به فيكون ملجأ لهم ، وفي التنزيل قال تعالى : ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا . إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾(١) . تعييني : عيَّ بالأمر عيّاً واستعيا عجز عنه ولم يطق إحكامه ، وقد أعياه الأمر ، وهو متعدي ، وأما قول أبي ذؤيب : وما ضرب بيضاء يأوي مليكها إلى طنف أعيا براق ونازل فإنما عدى ( أعيا ) بالباء ؛ لأنه في معنى برح . وأعيا الماشي كَلَّ ، وأعيا السيد البعير ونحوه أَكَلَّه . وعي في المنطق عيّاً حصر . والداء العياء الذي لا دواء له ، ويقال : الداء العياء الحمق . وقال الجوهري : داء عياء أي صعب لا دواء له كأنه أعيا على الأطباء . وقال النابغة الذبياني : عيت جواباً وما بالربع من أحد رحبت : الرحب بالضم السعة ، وأرحب اتسع ، ورجل رحب الصدر واسعة ، والرحيب الشيء الواسع . وجاء في التنزيل قوله - تعالى - : ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾(٢) أي على رحبها وسعتها ، وأرض رحيبة واسعة . وقولهم في تحية الوارد : أهلاً ومرحباً ، أي صادفت أهلاً ومرحباً أو أتيت أهلاً وأتيت سعة ، فاستأنس ، ولا تستوحش . وسئل الخليل عن نصب ( مرحباً ) فقال : فيه كمين الفعل . أراد به إنزل أو أقم . المفضوحين : إفتضح الرجل يفتضح إفتضاحاً إذا ركب أمراً سيئاً فاشتهر به . ويقال للنائم وقت الصباح : فضحك الصبح فقم ، ويقال أيضاً : فضحك الصبح بالصاد المهملة ومعناهما متقارب ، وفضح الشيء فافتضح إذا إنكشفت مساويه . وفضح القمر النجوم غلب ضوءه ضوءها فلم يتبين . والأفضح الأبيض وليس بشديد البياض قال ابن مقبل : فأضحى له جلب بأكناف شرمة أجش سماكي من الوابل أفضح مؤيدي : أيدته أي قويته ، والتأييد مصدر ، قال الله تعالى : ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾(٣) والأيد بتسكين الياء القوة . قال تعالى : ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾(٤) أي ذا القوة . وقال تعالى : ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾(٥) ورجل أيِّد بالتشديد أي قوي . قال الشاعر : إذا القوس واترها أيّد رمى فأصاب الكلى والذرا وقد قالوا : إن قولهم : أيده الله مشتق من ذلك ، أي قوّاه الله . البيان في هذا النص الماثل بين أيدينا إستعارة . والإستعارة ـ كما قال البلاغيون ـ هي إستعمال اللفظ في غير ما وضع له ؛ لعلاقة المشابهة بين المعنى المنقول عنه ، والمعنى المستعمل فيه ، مع قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصلي ، فهي تشبيه مختصر ولكنها أبلغ منه ولها أركان ثلاثة : مستعار منه ، ومستعار له ، ومستعار . فقوله ـ عليه السلام ـ : ( أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها ) تظهر فيه هذه الإستعارة . فالكهف بحسب ما ورد في اللغة لا يسمى بذلك إلاّ إذا كان في داخل الجبل ، والجبل هو أقوى الثوابت على وجه الأرض . قال تعالى : ﴿وَالْجِبَالِ أَرْسَاهَا﴾(٦) فقد ذكر المفسرون أن معنى ذلك أثبت الجبال في الأرض ، والإرساء الإثبات بالثقل ، فالسفينة ترسو أي تثبت بثقلها ، فلا تزول عن مكانها ، وربما أرست بالبحر بما يطرح لها . فأما الجبال فإنها أوتاد الأرض وأرسيت بثقلها ، وفي جعلها على الصفة التي هي عليها أعظم العبرة . وهنا يظهر لنا السر في كلمة ( الكهف ) الذي يلجأ إليه الإنسان في حالة الخوف ؛ لأنه حصن حصين يحميه جبل أصم تتحطم عليه كل محاولات الإنسان إذا ما أراد بصاحب الكهف شراً . فاستعارة كلمة ( الكهف ) جاءت في محلها من حيث البلاغة ومن حيث الإستعمال طبقاً للمعنى . فالله ـ سبحانه ـ كهف حصين يلجأ إليه الإنسان عندما يحس بالخطر الداهم ( وتعييه ) المذاهب ويعجز عن كيفية التصرف للخروج من المأزق والتخلص من الحرج . ولمّا كان الكهف بهذه المنزلة من القوة والحصانة فقد لجأ إليه الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدىً ـ كما هو صريح القرآن الذي أسهب في قصة فرارهم من ملكهم الكافر ( دقيانوس ) ـ وملخص هذه القصة التي أطال في عرضها القرآن الكريم مأخوذة من جملة من التفاسير هو كما يلي : الهوامش: (١) سورة الكهف ، آية : ٩ ، ١٠ . (٢) سورة التوبة ، آية : ٢٥ . (٣) سورة البقرة ، آية : ٨٧ . (٤) سورة ص ، آية : ١٧ . (٥) سورة الذاريات ، آية : ٤٧ . (٦) سورة النازعات ، آية : ٣٢ . |

الردود والتعليقات (0)
أضف رداً على المقال