![]() |
| الشيخ عباس الريس |
قال عليه السلام : [ لَكَ الْعُتْبى حَتّى تَرْضى ، مِنْ قَبْلِ ذلِكَ ، لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ ، رَبُّ الْبَلَدِ الْحَرامِ ، وَالْمَشْعَرِ الْحَرامِ ، وَالْبَيْتِ الْعَتِيقِ الَّذِي أَحْلَلْتَهُ الْبَرَكَةَ ، وَجَعَلْتَهُ لِلنَّاسِ أَمَنَةً ، يا مَنْ عَفا عَنِ الْعَظِيمِ مِنَ الذُّنُوبِ بِحِلْمِهِ ، يا مَنْ أَسْبَغَ النِّعْمَةَ بِفَضْلِهِ ، يا مَنْ أَعْطَى الْجَزِيلَ بِكَرَمِهِ ، يا عُدَّتِي فِي كُرْبَتِي ، يا مُؤْنِسِي فِي حُفْرَتِي ، يا وَلِيَّ نِعْمَتِي ، يا إِلٰهِي ، وَإِلٰهَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ ، وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ، وَرَبَّ جَبْرَئِيلَ وَمِيكائِيلَ وَإِسْرافِيلَ ، وَرَبَّ مُحَمَّدٍ خاتِمِ النَّبِيِّينَ وَآلِهِ الْمُنْتَجَبِينَ ، وَمُنْزِلَ التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَمُنْزِلَ كهيعص ، وَطٰهٰ وَيس ، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ] .
« اللُّغَة »
العتبي : عاتبه معاتبة وعتاباً لامـه ، ويقال : ما وجدت في قوله عتباناً ، وذلك إذا ذكر أنه أعتبك ، ولم تر لذلك بياناً . قال الأزهري : لم أسمع العتب والعتبان والعتاب بمعنى الإعتاب ، إنما العتب والعتبان لومك الرجل على إساءة كانت منه إليك ، والعتب بكسر العين وسكون التاء الرجل الذي يعاتب صاحبه أو صديقه في كل شيء إشفاقاً عليه ونصيحةً له . ويقال إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب . والعتبي الرضا ، قال ساعدة ابن جؤية : شاب الغراب ولا فؤادك تارك ذكر الغضوب ولا عتابك يعتب
ترضى الرضا ضد السخط . وفي حديث الدعاء : أللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك ، والرضا والسخط من صفات القلب ورضيت عنك وعليك رضاً . قال العقيلي : إذا رضيت عليَّ بنو قشير لعمر الله أعجبني رضاها
ورضوى جبل بالمدينة المنورة والرضا من القاب الإمام الثامن من أئمة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ سمي بذلك لأنه قد رضي بولايته المؤالف والمخالف .
المشعر : شعر به علم ، وأشعر لفلان ما عمله ، وما شعرت فلان ما علمته . ومن كلام العرب : ( ليت شعري ) أي ليت علمي أو ليتني علمت . وعن الكسائي ليت شعري لفلان ما صنع وأنشد : يا ليت شعري عنكم حنيفاً وقد جدعنا منكم الأنوفا وفي التنزيل : ( وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً )(١) . والإشعار للقارن هو جرح سنام البعير إذا إختاره على التلبية لعقد الإحرام وذلك إذا ساقه هدياً . والمشعر الشعار ، والمشاعر كل موضع فيه حمر وأشجار . قال ذو الرمة يصف ثور وحش : يلوح إذا أفضى ويخفى بريقه إذا ما أجنته غيوب المشاعر والمشعر هو أرض يقف بها الحاج يوم العاشر من ذي الحجة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس . وقد ورد ذكره في التنزيل العزيز في قوله تعالى : ﴿ فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام .. ﴾ الآية(٢) . وسيوافينا تفصيل ذلك في فصل ( البيان ) قريباً إن شاء الله .
أَمَنَةً : الأمنة والامن بمعنى ، ومنه قوله تعالى : ﴿ أَمَنَةً نُعاساً ﴾(٣) وقوله تعالى : ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ﴾(٤) والأمانة ضد الخيانة ، والأمن ضد الخوف ، والإيمان ضد الكفر وفي التنزيل العزيز : ﴿ وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾(٥) أي الأمن يعني مكة المكرمة وهو من الأمن واليمين هو ما يأخذه الإنسان على نفسه من إلزام والتزام . قال الشاعر : ألم تعلمي يا أسم ويحك أنني حلفت يميناً لا أخون يميني
بحلمه : الحلم بالكسر الأناة والعقل ، وجمعه أحلام وحلم وفي التنزيل العزيز : ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ﴾(٦) وقال جرير : ـ هل من حلوم لأقوام فتنذرهم ما جرب الناس من عضي وتضريسي وحلم بالضم يحلم حلماً صار حليماً ، والحليم الصبور ، والحليم صفة من صفات الباري والحلم بضم الحاء وسكون اللام ، وبضم الحاء وضم اللام الرؤيا وهو ما يراه النائم في نومه من الأشياء ، ولكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن ، وغلب الحلم على ما يراه من الشر والقبيح ومنه قوله تعالى : ﴿ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ ﴾(٧) وفي هذا القول نظر(٨) .
أسبغ : شيء سابغ أي كامل واف ، وسبغ الشيء وطال إلى الأرض واتسع ، وإسباغ الوضوء المبالغة فيه وإتمامه ، واسبغ الله عليه النعمة أكملها وأتمها ووسعها . قال تعالى : ﴿ وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة ﴾(٩) والدرع السابغة التي تجرها في الأرض ، أو على كعبيك طولاً وسعةً ، قال عبدالله بن الزبير الأسدي : وسابغة تغشى البنان كأنها أضاة بضحضاح من الماء ظاهر وقال تعالى في القرآن المجيد : ﴿ أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحاً ﴾(١٠) .
الجزيل : العظيم ، وأجزلت له من العطاء أي أكثرت ، وعطاء جزل وجزيل إذا كان كثيراً ، والجزل الحطب اليابس ، والمعنى الجزل إذا كان أكثر من لفظه . والجزل في زحاف البحر الكامل من الشعر هو إسكان الثاني من (متفاعلن) وإسقاط الرابع فيبقى ( متفعلن ) وهو بناء غير منقول فينتقل إلى بناء مقول منقول وهو ( متفعلن ) وبيته : منزلة صم صداها وعفت أرسمها إن سئلت لم تجب
عدتي : العدة ما أعددته لحوادث الدهر من المال والسلاح ، يقال : أخذ للأمر عدته وعتاده بمعنى . قال الأخفش ومنه قوله تعالى : ﴿ الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ ﴾(١١) . والعدة ما أعدّ لأمر يحدث مثل الأهبة والإستعداد للأمر والتهيء له ، والعدة من السلاح ما أعددته . قاله ابن دريد . وفي خطبة الزهراء ـ سلام الله عليها ـ في خطابها للمهاجرين والأنصار : ( وأنتم ذوو العدد والعدة ) .
مؤنسي : الأنس خلاف الوحشة وهو مصدر قولك أنست به أنساً . والأنس والإستئناس هو التأنس ، والإنسي منسوب إلى الأنس والجمع أناسي قال تعالى : ﴿ ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً ﴾(١٢) . والإنسان مأخوذ من الانس ، وهذا معنى قولهم باللغة المعاصرة : أن الإنسان إجتماعي بالطبع ، أي من طبعه الإجتماع بأبناء جنسه والأنس بهم .
« البَيَانُ »
في هذه الفقرة جاءنا الحسين ـ سلام الله عليه ـ بلون آخر من ألوان التضرع وأسلوب آخر من أساليب الإعتذار المهذبة ، فهو يريد أن يعترف بما هو فيه من التقصير في العبادة مع كمالها وتمامها منه ، إلاّ أنه إمعاناً في التذلل والخشوع والإلحاح في المسألة في ذلك اليوم . قال ـ عليه السلام ـ : ( لك العتبى حتى ترضى من قبل ذلك ) .
وإذا تأملت هذه العبارة وجدت أنه يلقي قياده ويسلم تسليماً لرب العالمين . فإن قوله ـ عليه السلام ـ : ( حتى ترضى ) لا يمكن أن تكون في محلها كلمة أخرى تعطي معناها . وقد ورد هذا المعنى مفسراً عن أهل البيت الطاهر ـ سلام الله عليهم ـ وشرح معنى رضاه وسخطه .
الهوامش: (١) سورة الكهف ، آية : ١٩ . (٢) سورة البقرة ، آية : ١٩٨ . (٣) سورة آل عمران ، آية : ١٥٤ . (٤) سورة الأنفال ، آية : ١١ . (٥) سورة التين ، آية : ٢ . (٦) سورة الطور ، آية : ٣٢ . (٧) سورة يوسف ، آية : ٤٤ . (٨) وينشأ ذلك النظر مما ورد في التنزيل العزيز أيضاً في سورة الإسراء الآية : ٦٠ قال تعالى : ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ وذلك لأنها تشير إلى رؤيا رآها النبي (ص) فانتبه من نومه منزعجاً وكان ذلك سبب نزولها . (٩) سورة لقمان ، آية : ٢٠ . (١٠) سورة سبأ ، آية : ١١ . (١١) سورة الهمزة ، آية : ٢ . (١٢) سورة الفرقان ، آية : ٤٩ .

الردود والتعليقات (0)
أضف رداً على المقال