![]() |
| الشيخ عباس الريس |
ثم قال ـ عليه السلام ـ : ( يا من عارضني بالخير والإحسان ، وعارضته بالإساءة والعصيان ) ورد في فصل اللغة أن المعارضة بمعنىٰ الطلب ، ومعنىٰ ذلك أن الله قد ابتدر الإنسان بمعروض الخير ، وأعطاه قبل أن يسأله . وجاء في المأثور عنهم ـ عليهم السلام ـ « يا من يعطي من سأله ، يا من يعطي من لم يسأله ولم يعرفه تحنناً منه ورحمة . . . » الدعاء ، وبذلك تتجلىٰ للإنسان رحمة الله ـ سبحانه وتعالى ـ في أروع صورها فالمعارضة بالخير والإحسان يعني العطاء لا بجزاء ، فإن كلمة ( الإحسان ) ـ تفيد معنىٰ العطاء إبتداءً بدون مقابل ، وهذا أيضاً من جملة النعم التي تضاف إلىٰ ما تقدم ، فإن العطاء بدون المسألة نعمة أخرىٰ غير العطاء بالمسألة التي حث عليها ـ سبحانه ـ عباده لكي يرتبطوا به في كل حالاتهم عندما يأكلون من رزقه .
أما المعارضة بالإساءة والعصيان فهذا من شأن العبد الذي لا ينفك عن الذنوب ، مع صرف النظر عن أفراد لا ينتابهم ما ينتاب غيرهم ، ولا يصدر منهم ما يصدر من غيرهم ، وهم الأنبياء والأئمة المعصومون ـ عليهم السلام ـ .
وعندما تسن القوانين وتوضع الأسس الدستورية لأي نظام فلا بدّ وأن يؤخذ في الإعتبار السواد الأعظم من المجتمع البشري الذي يشمله ذلك النظام ، وأما بقية أفراد من الناس سواءً كانوا في الأعلىٰ أو الأسفل ، فإن هؤلاء خارجون عن القواعد الأساسية لأي نظام إجتماعي بسبب صفات زائدة فيهم .
فالإساءة والعصيان عندما تردان علىٰ لسان الحسين ـ عليه السلام ـ في ذلك الموقف فإنهما لا يتعديان المبالغة في التضرع والخشوع ، وكأنه يشير بذلك إلىٰ كونه إنساناً قبل كل شيء ، بغض النظر عن الصفة الزائدة وهي ( العصمة ) .
ثم إن هذه الصفة أيضاً لا تمنع الإنسان من أن يبالغ في العبادة ، ويزيد في الطاعة فإن مثل هذه المناجاة هي عبادة وأي عبادة ، وهي خشوع وأي خشوع . هذا إذا لم نقل العكس ، وهو أن العصمة تعطي الإنسان دفعاً جديداً ، وأسلوباً متطوراً ، وقلباً خالصاً لممارسة العبادة بإخلاص . وأي إخلاص أعظم من ذلك ؟
واحتمال آخر وهو أن الإساءة والعصيان تأتي بمعنىٰ التقصير في العبادة وتأدية حق النعمة ، وهذا الإعتراف لا ضير فيه سواءً كان من المعصوم ، أو من غيره ، فإن الإنسان مهما بالغ في الطاعة فلا يزال مقصراً في عبادته ، لا يستطيع أن يؤدي شكر نعمة واحدة من نعم الله التي لا تحصىٰ ، وهذا في حدّ ذاته إساءة وعصيان بالمعنىٰ الأعم وهذا من الإستعمالات التي يحتمل فيها المجاز ، وهو غير مؤاخذ عليه الإنسان وليس داخلاً في حساب الذنوب .
ونظير هذا ما ذكره السيد المرتضىٰ علم الهدىٰ ـ رحمه الله ـ في الحديث عن معصية آدم ـ عليه السلام ـ قال : وصف تارك الندب بأنه عاصي توسع وتجوز ، والمجاز لا يقاس عليه ، ولا يعدىٰ به عن موضعه . ولو قيل إنه حقيقة في فاعل القبيح ، وتارك الأولىٰ والأفضل ، ولم يجز إطلاقه أيضاً في الأنبياء ـ عليهم السلام ـ إلاّ مع التقييد ؛ لأن استعماله قد كثر في القبائح ، فإطلاقه بغير تقييد موهم ، لكنّا نقول : إن أردت بوصفهم بأنهم عصاة أنهم فعلوا القبائح فلا يجوز ذلك ، وإن أردت أنهم تركوا ما لو فعلوه إستحقوا الثواب وكان أولىٰ فهم كذلك . وهناك نواحي أخرىٰ قد ترد في مثل هذا المقام تركناها خوف الإطالة .
إذاً فالإشارة بالإساءة والعصيان من النص الماثل أمامنا إلىٰ طبيعة الإنسان من حيث أن له نفساً أمارة بالسوء يحدوها الشيطان الغوي وتشجعها زخارف الدنيا وبهارجها وغير ذلك من المؤثرات التي تسبب للإنسان الإرتباك في التصرف المعقول والإبتعاد أكثر فأكثر عن الواقعية الحرة ، ولكن هذا في عامة الناس ـ كما مرت الإشارة إليه ـ . وأما المعصوم فإن له نفساً قد روّضها وملك زمامها ، فلا تميل إلىٰ هواها ، أو لا يميل هو بميلها ، وقد جاء في كلام للإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ قوله : ( هيهات أن يغلبني هواي ، أو تقودني نفسي بأزمة الأطعمة ) . وهناك وجوه أخرىٰ ندركها عند التأمل نستطيع أن نبتعد بها عن مراودة الذنوب وإيحاءات النفس .
ثم يقول ـ عليه السلام ـ : ( يا من هداني للإيمان قبل أن أعرف شكر الإمتنان ) الهداية هي الدلالة وإراءة الغاية بإراءة الطريق ، وهي نحو إيصال إلىٰ المطلوب . وإنما تكون من الله ـ سبحانه ـ وسننه سنة الأسباب بإيجاد سبب ينكشف به المطلوب ، ويتحقق به وصول العبد إلىٰ غايته في سيره ، وقد بينه الله ـ سبحانه ـ بقوله : ﴿من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ (٨) . وكما أنّ سُبُلَه ـ تعالىٰ ـ مختلفة ، فكذلك الهداية تختلف باختلاف السبل التي تضاف إليها فلكل سبيل هداية قبله تختص به .
إذاً فالهداية للإيمان هي منة أخرىٰ ونعمة كبرىٰ ، وقد ذكر ذلك ـ سبحانه وتعالىٰ ـ في كتابه المجيد في مقام الإمتنان فقال : ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾ (٩) .
قال الشيخ في التبيان في تفسيرها : المن القطع بإيصال النفع الموجب للحق . ومنه قولهم المنة تكدر الصنيعة . وقيل : إذا كفرت النعمة حسنت المنة .
وأكثر المفسرين علىٰ أن الآية نزلت في المنافقين وقال الحسن : نزلت في قومٍ من المسلمين قالوا : أسلمنا يا رسول الله قبل أن يسلم بنو فلان ، وقاتلنا معك بني فلان . وقال الفرّاء : نزلت في أعراب بني أسد ، قدموا علىٰ النبي ـ صلىٰ الله عليه وآله ـ بعيالاتهم طمعاً في الصدقة ، فكانوا يقولون : اعطنا فإنّا أتيناك بالعيال والأثقال . وجاءتك العرب علىٰ ظهور رواحلها ، فأنزل الله فيهم الآية . ثم قال : ﴿بل الله يمن عليكم﴾ بأنواع نعمه و ﴿بأن هداكم للإيمان﴾ وأرشدكم إليه بما نصب لكم من الأدلة عليه . ورغبكم فيه ﴿إن كنتم صادقين﴾ في إيمانكم الذي تدّعونه . ومتىٰ كنتم صادقين يجب أن تعلموا أن المنة لله عليكم في إيمانكم لا لكم علىٰ الله ورسوله .
ومما تقدم بيانه نستخلص أن الهداية للإيمان سابقة علىٰ الشكر لأنها نعمة ، ولأن الله ينعم علىٰ الإنسان إبتداءً ولأن الشكر علىٰ النعم التي إمتن الله بها علىٰ خلقه لا يمكن أن يتحقق بدون هداية ومعرفة لله ، خصوصاً إذا قلنا أن الشكر علىٰ النعمة هو من أقرب القربات إلىٰ الله ، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلاّ بعد المعرفة والإيمان ، وهذا لا لبس فيه ولا جدال .
الهوامش:
- (٨) سورة الانعام ، آية : ١٢٥ .
- (٩) سورة الحجرات ، آية : ١٧ .

الردود والتعليقات (0)
أضف رداً على المقال