![]() |
| الشيخ عباس الريس |
قال عليه السلام : [ يَا مَنْ لا تَضُرُّهُ ذُنُوبُ عِبَادِهِ ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ طَاعَتِهِمْ ، وَالْمُوَفِّقُ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ صَالِحاً بِمَعُونَتِهِ وَرَحْمَتِهِ ، فَلَكَ الْحَمْدُ إِلَهِي أَمَرْتَنِي فَعَصَيْتُكَ ، وَنَهَيْتَنِي فَارْتَكَبْتُ نَهْيَكَ ، فَأَصْبَحْتُ لا ذَا بَرَاءَةٍ فَأَعْتَذِرُ ، وَلا ذَا قُوَّةٍ فَأَنْتَصِرُ ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَسْتَقْبِلُكَ يَا مَوْلايَ ، أَبِسَمْعِي ، أَمْ بِبَصَرِي ، أَمْ بِلِسَانِي ، أَمْ بِيَدِي ، أَمْ بِرِجْلِي ، أَلَيْسَ كُلُّهَا نِعَمَكَ عِنْدِي ، وَبِكُلِّهَا عَصَيْتُكَ يَا مَوْلايَ ؟! فَلَكَ الْحُجَّةُ وَالسَّبِيلُ عَلَيَّ ] .
اللُّغَةُ
الموفق : وفقه الله للخير ألهمه ، وهو من التوفيق . وفي الحديث ( لا يتوفق عبد حتى يوفقه الله ) والموفق التوفيق ، وفلان موفق رشيد . قال الكسائي : يقال رشدت أمرك ووفقت رأيك . قال تعالى : ﴿إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب﴾(١) . ويقال حلوبة وفق عياله ، أي لها لبن قدر كفايتهم لا فضل فيه ؛ وقيل قدر ما يقوتهم . قال الراعي : أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك لـه سـبـد
فارتكبت : إرتكاب الذنوب إتيانها ، وركب منه أمراً قبيحاً وارتكبه ، وكذلك ركب الذنب وارتكبه ، وركب فلان فلاناً بأمر وارتكبه . وكل شيء علا شيئاً فقد ركبه ، وركبه الدين ، وركب الهول ، وركب الليل ونحوهما .
أستقبلك : القبل من كل شيء نقيض الدبر ، وجمعه أقبال . قال الفرّاء : لقيته من ذي قبل أي في ما يستقبل ، والعرب تقول : ما أنت لهم في قبال ، ولا دبار أي لا يكترثون لك . قال الشاعر : ومـا أنـت ان غـضـبـت عـامـر لهـا فـي قـبـال ولا فـي دبـار وقبلت الهدية قبولاً ، وكذلك قبلت الخبر صدقته وقبلت القابلة الولد قبالة ، وعامل قابل مقبل ، وقابله حاذاه بوجهه ، ويقال فلان قبالتي أي مستقبلي .
البيان ـ الضرُّ وَأسبابُهُ
في هذه الفقرة تعرض ـ عليه السلام ـ لنفي الضر عن المولى ـ سبحانه وتعالى ـ وتلك حقيقة واقعة لا سبيل للحديث عنها نفياً وإثباتاً ، والضر كما هو معروف هو الشيء المكروه الذي يلم بالإنسان في أوقات متفاوته طولاً وقصراً ، وظروف مختلفة شدةً وليناً ، وإذا تأملنا الأسباب التي ينشأ عنها الضرر وجدناها متفاوتة ومتعددة بحسب السيرة الإجتماعية التي تضم الإنسان الفرد إليها ، فينصهر فيها ويتفاعل معها ، وفي قوله تعالى : ﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين﴾(٢) أن الضر بالضم خصوص ما يمس النفس من الضرر كالمرض والهزال ونحوهما . وقد شملت أيوب تلك البلية وذهب ماله ومات أولاده وابتلي في بدنه بمرض شديدة مدة مديدة ، ثم دعا الله وشكى إليه حاله فاستجاب الله له ونجاه من مرضه وأعاد عليه ماله وولده ومثلهم معهم كما هو صريح الآيات .
والضرر يحصل للإنسان من جهات مختلفة منها :
١ ـ الحسد : فقد ورد فيه سورة قرآنية كاملة تحذر الإنسان وتخوفه من مغبة هذه الطبيعة الشاذة التي تعود على الإنسان بالشر ، وذلك بما يعتري الإنسان من الغم عندما يرى الخير عند غيره ، فهو يموت بغيظه . وقد ورد عن الإمام الحسن بن علي ـ عليه السلام ـ قوله : ( هلاك المرء في ثلاث : الكبر وبه لعن إبليس ، والحرص عدو النفس وبه أخرج آدم من الجنة ، والحسد رائد السوء وبه قتل قابيل أخاه هابيل ) . ومبعث ذلك العين الناظرة التي تدخل الرجل القبر ، وتدخل الجمل القدر .
٢ ـ الطمع : وهو أن يحاول الإنسان أن يجمع من الثروة ما لا يستهلكه طيلة حياته من حلال ومن حرام حتى يكون قطعة مادية بحته ، يلهث وراء المادة ليلاً ونهاراً ، معرضاً عما سوى ذلك من بقية أمور الحياة ، متبعداً عن القيم الأخلاقية وأهدافها السامية . وبذلك يجلب الإنسان الضر بنفسه مما تخيله منفعة ، وحسب بذلك الشر خيراً ، والرذيلة فضيلة ؛ لأن المقاييس الطبيعية ضاعت في نظرته المادية لأمور الحياة .
٣ ـ الأنانية : وليس المقصود بها هنا هو ما تقدم في البحث السابق ، فهنا نقصد الإنسان الذي لا تهمه إلا المصلحة الخاصة ولو على حساب غيره ، وبذلك يقف في خط المواجهة مع الناس جميعاً مما يؤدي إلى إبعاده عن الميادين الإجتماعية ، ونبذه بعيداً عن محاسن الأخلاق وموت روح المتعاون ونزعة الخير .
هذا هو الضر الذي يجلبه الإنسان لنفسه ، أو لغيره من جهات مختلفة وهو ظاهر ماثل للإنسان من خلال ممارساته لأمور حياته العملية اليومية .
والضر بهذا الإعتبار لا يمكن تصور نسبته إلى الله ـ سبحانه ـ ؛ لأن أسباب الضر الداعية إلى جلبه هي النزعات والصفات الإنسانية ، وهذه لا تنطبق عليه ـ سبحانه ـ بالضرورة .
فقوله ـ عليه السلام ـ في أول الفقرة : ( يا من لا تضره ذنوب عباده ) ينطبق على ما تقدم من الكلام تمام الإنطباق .
ثم انه لا شك أن الذنوب التي يقترفها الإنسان لا تضره بنفسه فقط . ، وإنما قد يتعدى هذا الضرر إلى غيره من الناس ، فعندما يقترف الإنسان جريمة القتل مثلاً ، فإن الضرر لا يقع على الجاني والمجني عليه فحسب ، بل إن ذلك قد يتعدى إلى أكثر ، أما بواسطة تهمة باطلة ، وأما بواسطة انتقام في غير محله . وهكذا وعلى هذا فقس بقية الذنوب .
أما الباري ـ جل جلاله ـ فإنه قد نهى عن الذنوب لأن الذنوب ضارة بالإنسان ، ولا يلزم أن يكون هذا الضرر في العاجل دون الآجل ، أو في الدنيا دون الآخرة ، فنهاه عن ايجاد الضرر لنفسه أو لغيره من أبناء جنسه ، وبذلك تتجلى الرحمة منه ـ سبحانه ـ لعباده في أبرز مظاهرها .
الهوامش: (١) سورة هود ، آية : ٨٨ . (٢) سورة الأنبياء ، آية : ٨٣ .

الردود والتعليقات (0)
أضف رداً على المقال