![]() |
| شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام |
قال عليه السلام:
[ أَنْ لَوْ حَاوَلْتُ وَاجْتَهَدْتُ مَدَى الأَعْصَارِ وَالأَحْقَابِ لَوْ عُمِّرْتُهَا ، أَنْ أُؤَدِّيَ شُكْرَ وَاحِدَةٍ مِنْ أَنْعُمِكَ ، مَا اسْتَطَعْتُ ذَلِكَ إِلاَّ بِمَنِّكَ الْمُوجِبِ عَلَيَّ آنِفاً جَدِيداً ، وَثَنَاءً طَارِفاً عَتِيداً ] .
اللغة:
حاولت: المحاولة: مطالبتك الشيء بالحيل، وكل من رام أمراً بالحيل فقد حاوله، وحاولته محاولة أي طالبته بالحيلة. قال لبيد: ألا تسألان المرء ماذا يحاول *** أنحب فيقضي أم ضلال وباطل.
إجتهد: الإجتهاد والتجاهد بذل الوسع. وأجهدوا علينا العداوة جدوا، وجاهد العدو مجاهدة وجهاداً قاتله، وجاهد في سبيل الله، والجهاد محاربة الأعداء. وقيل: الجهاد المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب، أو اللسان، أو ما أطاق من شيء.
الأعصار: جمع عصر بتثليث العين، الدهر. قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ (١). وقال ابن عباس: العصر ما يلي المغرب من النهار. وقال قتادة هي ساعة من ساعات النهار. والجمع أعصر وأعصار وعصور. والعصران الليل والنهار. والعصر الليلة والعصر اليوم. قال حميد بن ثور: ولن يلبث العصران يوم وليلة *** إذا طلبا أن يدركا ماتيمما.
الأحقاب: قال الفراء في قوله تعالى: ﴿ لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴾ (٢) الحقب ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوماً اليوم منه ألف سنة من عدد الدنيا. ثم قال: وليس هذا مما يدل على غاية ـ كما يظن بعض الناس ـ وإنما يدل على الغاية التوقيت، خمسة أحقاب أو عشرة، والأحقاب الدهور وقيل: الحقب السنة.
عمرتها: عمر الرجل يعمر عمراً وعمارة عاش وبقي زماناً طويلاً. قال الكسائي: عمرك الله لا أفعل ذلك، نصب لفظ الجلالة على معنى عمرتك الله، أي سألت الله أن يعمرك. قال لبيد: وعمرت حرساً قبل مجرى داحس *** لو كان للنفس اللجوج خلود.
آنفاً: أتيت فلاناً آنفاً كما تقول من ذي قبل وجاء القوم آنفاً أي قبلاً إذا كان قبل ذلك بزمن قصير. وقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿ مَاذَا قَالَ آنِفًا ﴾ (٣) أي ماذا قال الساعة في أول وقت يقرب منّا ؟ ومعنى آنفاً من قولك الشيء إذ ابتدأ. قال الشاعر: وأنت المنى لو كنت تستأنفيننا *** بموعد ولكن معتفاك جديب.
طارِفاً: قال الجوهري: يصرف بصرك عنه أي تستطرف الجديد فتنسى القديم، وأطرفت الشيء أي اشتريته حديثاً. قال ذو الرمة: كأنني من هوى خرقاء مطرف *** دامي الأظل بعيد الشأو مهيوم. والشأو الهمة ومهيوم به هيام والطرف هو النظر، والطِرف هي الفرس العتيق.
عتيداً: الشيء العتيد المعد الحاضر وعتيد جسيم وقد عتده تعتيداً. قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ﴾ (١). وقال الشاعر: أعددت للغرماء كلباً ضارياً *** عندي وفضل هراوة من أزرق. والعتاد العدة، والجمع أعتدة.
البيان:
إن الإجتهاد في الطاعة يختلف باختلاف الرغبات والقابليات. وإذا قلنا بأن الإجتهاد في الطاعة يعني بالدرجة الأولى بذل ما في وسع الإنسان، وليس بذل ما فوق وسعه؛ لأن الله (سبحانه) لم يكلّف الإنسان فوق ما يستطيع، وهو الواصف نفسه (سبحانه) بالرأفة والرحمة في كتابه المنزل.
فالإجتهاد من العبد وليس من الله، وتأدية الفرائض الواجبة أياً كان نوعها لا يسمى إجتهاداً، ولكنه يسمى بذلك إذا زاد عن المطلوب، ولكن في حدود الإستطاعة وفي إطار المشروع؛ ولهذا فإن الكلمة الواردة في فقرة الدعاء المطروحة أمامنا للبحث في قوله (عليه السلام): (واجتهدت) مسبوقة بالمحاولة؛ لأنها غير واجبة، وإلا لم تكن محاولة؛ لأن الواجب ليس فيه محاولة بل هو فرض يجب عليه أن يؤديه.
ولكن الإجتهاد على كل حال هو مقرب إلى الله إذا كانت العبادة تطوع بها في حدود الشرع، لأنه قد فتح الباب على مصراعيه للتنافس في الحصول على رضا الخالق. قال تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾ (١).
أما إذا أدّى هذا الإجتهاد في العبادة أو التطوع إلى السأم والملل فإن العبادة هذه لا تخلو من شوب.
ثم إنه قد ورد في المأثور لا يطاع من حيث يعصى وذلك إذا أدى هذا الإجتهاد إلى الخروج عن جادة الصواب فإنه يضرب به عرض الجدار. قال تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ﴾ (٢).
وفي مسألة إبليس ورفضه السجود لآدم قال: يا رب إعفني من السجود لآدم. وأنا أعبدك عبادة لم يعبدك بمثلها ملك مقرب ولا نبي مرسل. فقال (تعالى) له: لا حاجة لي في عبادتك. إن العبادة من حيث أريد أنا، لا من حيث تريد أنت، أخرج منها فإنك رجيم، وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين.
الهوامش :
- (١) سورة العصر / الآية: ١ و ٢.
- (٢) سورة النبأ / الآية: ٢٣.
- (٣) سورة محمد / الآية: ١٦.
- (١) سورة الكهف / الآية: ٢٩. (في صفحة ٣٤٩)
- (١) سورة الواقعة / الآيات: ١٠ و ١١ و ١٢.
- (٢) سورة الحشر / الآية: ٧.

الردود والتعليقات (0)
أضف رداً على المقال