مجلس الشيخ عباس الريس

الدراز - البحرين
مقالات مختارة

شذرات من شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام

محتويات المقال

     

    شذرات من شرح دعاء عرفة 

    قال عليه السلام:

    (أَنْتَ الَّذِي أَشْرَقْتَ الْأَنْوَارَ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِكَ ، حَتَّى عَرَفُوكَ وَوَحَّدُوكَ ، وَأَنْتَ الَّذِي أَزَلْتَ الْأَغْيَارَ عَنْ قُلُوبِ أَحِبَّائِكَ ، حَتَّى لَمْ يُحِبُّوا سِوَاكَ ، وَلَمْ يَلْجَأُوا إِلَى غَيْرِكَ ، أَنْتَ الْمُؤْنِسُ لَهُمْ حَيْثُ أَوْحَشَتْهُمُ الْعَوَالِمُ ، وَأَنْتَ الَّذِي هَدَيْتَهُمْ حَيْثُ اسْتَبَانَتْ لَهُمُ الْمَعَالِمُ) .

    ​اللُّغَةُ

    ​أشرقت: شرقت الشمس تشرق شروقاً وشرفاً طلعت واسم الموضع المشرق ، ويقال : شرقت الشمس إذا طلعت ، وأشرقت إذا أضاءت . وقوله تعالى : ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ﴾ إنما أراد بعد المشرق والمغرب ، فلما جعل اثنين غُلّب لفظ المشرق ؛ لأنه دال على الوجود ، والمغرب دال على العدم ، والوجود لا محالة أشرف ، كما يقال : القمران للشمس والقمر . والشرق المشرق والجمع اشراق . قال كثير عزة :

    إذا ضربوا يوماً بها الآل زينوا *** مساند اشراق بها ومغاربا

    ​والتشريق الأخذ في ناحية المشرق . وقال الشاعر :

    سارت مشرقة وسرت مغربا *** شتان بين مشرق ومغرب

    ​وفي الحديث : ( أناخت بكم الشرف الجون ) يعني الفتن التي تجيء من جهة المشرق .

    ​وتشريق اللحم تقطيعه وتقديده وبسطه ؛ وذلك لكي تشرق عليه الشمس ، ومنه سميت أيام التشريق .

    ​وأيام التشريق : ثلاثة أيام بعد يوم النحر ؛ لأن لحم الأضاحي يشرق فيها للشمس ، وقيل : سميت بذلك ؛ لأنهم كانوا يقولون في الجاهلية : أشرق ثبير كيما نغير، وثبير جبل بمكة . قال الشاعر الأخطل :

    وبالهدايا إذا احمرت مدارعها *** في يوم ذبح وتشريق وتنحار

    ​الاغيار: قال في التهذيب : غير من حروف المعاني ، تكون نعتاً ، وتكون بمعنى لا . قال : ويجوز لا إله غيرك ( بالنصب ) أي لا إله إلا أنت ، قال : وكلما احللت ( غيراً ) محل ( إلا ) نصبتها .

    ​وقيل : غير بمعنى سوى ، والجمع اغيار وهي كلمة يوصف بها ويستثنى ، فإن وصفت بها أتبعتها إعراب ما قبلها ، وإن استثنيت بها أعربتها بالإعراب الذي يجب للإسم الواقع بعد ( إلا ) ، وذلك أن اصل ( غير ) صفة والإستثناء عارض .

    ​وتغير الشيء عن حاله تحول . وغيره حوّله وبدّله ، كأنه جعله غير ما كان . وفي التنزيل العزيز : ﴿ ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ أي حتى يبدلوا ما أمرهم الله ، والغير الإسم من التغير . وغير الدهر أحواله المتغيرة . وورد في الحديث ( من يكفر الله يلقى الغير ) أي تغير الحال ، وانتقالها من الصلاح إلى الفساد . والغير جمع غيره ، وهي الدية ، قال بعض بني عذره :

    لنجدعن بأيدينا أنوفكم *** بني أمية إن لم تقبلوا الغيرا

    ​المؤنس: الأنس خلاف الوحشة وهو مصدر قولك أنست به ، والأنس والإستئناس هو التأنس ، وقد أنست بفلان . والأنسي منسوب الأنس كقولك جني وجن ، وسندي وسند، وهندي وهند .

    ​والأنس البشر الواحد انسي . قال ابن جني : ويحكى أن طائفة من الجن وافوا قوماً فاستأذنوا عليهم ، فقال لهم الناس من أنتم ؟ فقالوا : ناس من الجن ، وذلك أن المعهود من الكلام إذا قيل للناس من أنتم ؟ قالوا : ناس من بني فلان ، فلما كثر ذلك استعملوه في الجن على المعهود في كلامهم مع الأنس ، والشيء يحمل على الشيء من وجه يجتمعان فيه وان تباين من وجه آخر .

    ​أوحشتهم: هي ضد الكلمة السابقة ، وقد أشرنا إليها ضمن ذلك الشرح .

    ​المعالم: جمع معلم ( بفتح الميم وسكون العين وفتح اللام ) الأثر يستدل به على الطريق ، ومعلم الطريق دلالته وكذلك معلم الدين ومعلم كل شيء ، وفلان معلم للخير ، وكله راجع إلى الرسم والعلم ، والعالمون أصناف الخلق ، والعالم الخلق كله . وقيل : هو ما احتواه بطن الفلك . وقال الزجاج : معنى العالمين كل ما خلق الله قال - تعالى - ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ﴾ .

    ​البَيَان

    ​خاطب في هذه الفقرة ربه بقوله - عليه السلام - : ( أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ووحدوك ) ، وإشراق الأنوار يعني بعثها من مصدرها حتى تصل أشعتها إلى الجسم المرئي ، وهذا بدوره يعكس الأشعة الساقطة إلى عين الرائي فيحس بالإبصار ، وقد مر بنا كيفية ذلك فيما سبق من أبحاث الكتاب في معظم أجزائه في إسهاب مرة ، وفي اقتضاب مرة أخرى ؛ وذلك بحسب ما يقتضيه النص المطروح للشرح .

    ​إلا أن العبارة المطروحة بين يدي هذا البحث قد تناولت شيئاً آخر فيما عرضته من أسلوب الإستعارة الحسية من إنارة قلوب الأولياء الصالحين الذين بعث الله في قلوبهم تلك الأنوار حتى أشرقت وأضاءت ، ويراودنا في المعنى سؤال ، وهو : لماذا هذه الإشراقة ؟ ولماذا في القلوب بالذات ؟ ولماذا لا تكون في العين فقط ؟ أو العين والقلب ؟

    ​وحتى نأتي على جواب ذلك جميعاً نقول :

    إن الله - سبحانه - قد هدى الإنسان النجدين ، طريق الخير وطريق الشر ، وأمره باتباع طريق الخير وحببه إليه ، وردعه عن طريق الشر وبغضه إليه ، وقد مرّ بنا حديث مفصل في هذا الجزء عن مسألة الجبر والتفويض .

    ​نقول ذلك علماً بأن الباري - تبارك وتعالى - عندما طرح المسؤولية على كاهل الإنسان تعهد له بالهداية ، وزوده بالعقل الذي تميز به عن سائر الموجودات ، وكانت العناية الخاصة به دون غيره وتكريمه لذلك وهداه إلى طريق السعادة ؛ ولذلك فقد جاءت هذه العبارة وهي تشير بوضوح إلى أن من أطاع الله فطاعته بتوفيق منه . فإن إشراقة الأنوار في قلوب الأولياء يكون الغرض منها هو المعرفة التي يتوصل بها العبد إلى توحيد الله - سبحانه - وبذلك يؤدي حق العبادة ؛ لأن العبادة إذا كانت عن معرفة جاءت مطابقة لما أمر الله ، وإذا كانت كذلك تضاعف أجرها ، وهي بخلاف العبادة التي يدرج عليها الإنسان تقليداً لأبويه أو لأحد أقاربه ، أو لبعض أصدقائه . وكلما زادت المعرفة أخلص الإنسان في توحيده - كما هو نص العبارة - وكلما أخلص في توحيده أخلص في عبادته ، بناءً على أن العبادة من المعاني المشككة التي تختلف شدة وضعفاً في ضمير الإنسان ؛ لأن أسبابها كذلك مختلفة .


    الردود والتعليقات (0)

    لا توجد ردود بعد على هذا المقال. كن أول من يشارك برأيه أو تعليقه!

    أضف رداً على المقال