مجلس الشيخ عباس الريس

الدراز - البحرين
مقالات مختارة

قبسات من شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام

محتويات المقال

    شرح دعاء عرفة 



    قال عليه السلام : [ يا مَنْ سَتَرَنِي مِنَ الآباءِ والأُمَّهاتِ أَنْ يَزْجُرُونِي ، وَمِنَ الْعَشائِرِ وَالإِخْوانِ أَنْ يُعَيِّرُونِي ، وَمِنَ السَّلاطِينِ أَنْ يُعاقِبُونِي ، وَلَوِ اطَّلَعُوا يا مَوْلايَ عَلَى ما اطَّلَعْتَ عَلَيْهِ مِنّي إِذاً ما أَنْظَرُونِي ، وَلَرَفَضُونِي ، وَقَطَعُونِي ، فَها أَنا ذا بَيْنَ يَدَيْكَ ، يا سَيِّدِي خاضِعاً ذَلِيلاً ، حَصِيراً حَقِيراً ، لا ذُو بَراءَةٍ فَأَعْتَذِرُ ، وَلا ذُو قُوَّةٍ فَأَنْتَصِرُ ، وَلا حُجَّةٍ لِي فَأَحْتَجُّ بِها ، وَلا قائِلٌ لَمْ أَجْتَرِحْ ، وَلَمْ أَعْمَلْ سُوءاً ] .

    اللُّغَة

    يزجروني : الزجر المنع والنهي والإنتهار ، وزجر السبع والكلب وزجر به نهنهه . قال تعالى : ﴿ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر﴾(١) . وقال سيبويه : وقالوا هو مني مزجر الكلب أي بتلك المنزلة وهو من الظروف المختصة أو التي أجريت مجرى المختصة ، والزجر أن يزجر طائراً أو خبياً سانحاً أو بارحاً متطيراً فيه وقد نهي عن الطير . والزجر العيافة وهو ضرب من التكهن ، والزجر للطير هو التيمن والتشاؤم بها والتفاؤل بطيرانها كالسانح والبارح ، وهو نوع من الكهانة والعيافة ، وزجر البعير أي ساقه .

    يعيروني : قال الأزهري : فرّق بعضهم بين عايرت وعيَّرت ، فجعل عايرت في المكيال ، وعيرت في الميزان . والصواب هو أن يكون عيرت من العار والتعيير ، وأنشد الباهلي قول الراجز : وإن أعـارت حـافـراً مـعـاراً وأبـاً حـمـت نـسـوره أوكـاراً وقال الشاعر الآخر : عيَّرتني بالشيب وهـو وقـار ليتـهـا عيـرت بمـا هـو عـار إن تكـن شـابـت الذوائب منـي فالليالي تـزينـهـا الأقمـار وقال السموأل ابن عاديا : تعيـرنـا إنـا قليـل عـديـدنـا فقلت لهـا إن الكـرام قليـل ومـا ضرنـا إنـا قليـل وجـارنـا عـزيـز وجـار الأكثـريـن ذليـل

    السلاطين : جمع سلطان بوزن براكين جمع بركان . والسلطان الحجة والبرهان ولا يجمع ؛ لأن مجراه مجرى المصدر . قال ـ تعالى ـ : ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين﴾(٢) وقد مرّ هذا المعنى في آخر البحث السابق . والسلطان الوالي وهو ( فعلان ) يذكر ويؤنث ، وهو قدرة الملك . وسمي سلطاناً قيل : لتسليطه ، وقيل لأنه حجة من حجج الله ـ ان كان عادلاً ـ فمرة يذكر في معنى الرجل السلطان ، ومرة يؤنث وهو في معنى الحجة . قال ـ تعالى ـ : ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾(٣) .

    ولرفضوني : الرفض ترك الشيء ، وارفضَّ الدمع سال وتفرق وتتابع سيلانه ، وكل متفرق مرفض ، والرفض أن يطرد الرجل غنمه وأبله حيث يهوى ، فإذا بلغت لها يمنها تركها .

    حصيراً : الحصر ضرب من العي ، حصر الرجل حصراً مثل تعب تعباً ، وقيل لم يقدر على الكلام ، وحصر صدره ضاق . وإذا ضاق المرء عن أمر قيل حصر صدر المرء عن أهله يحصر حصراً . قال الله ـ عزَّ وجلَّ ـ : ﴿إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاقاً أو جاؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم﴾(٤) . والحصير المحبس وفي التنزيل : ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً﴾(٥) ، ورجل حصر كتوم للسر حابس له لا يبوح به . قال جرير : ولقد تسقطني الوشـاة فصـادفوا حصـراً يسـرك يـا أميم ضنيـنا

    أجترح : جرح الشيء واجترحه كسبه . وفي التنزيل : ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾(٧) وفلان جارح أهله وجارحتهم أي كاسبهم ، والجوارح من الطير والسباع والكلاب ذوات الصيد ؛ لأنها تجرح لأهلها ، أي تكسب لهم وجوارح الإنسان أعضاؤه وعوامل جسده كيديه ورجليه .

    البيان

    الستر هو خلاف الظهور ، والستر قد يكون على الفعل القبيح وغير القبيح ، إلا أن الإستعمال فيه في المجال اللغوي أكثر ، وبهذا ورد النص في الدعاء لحملة العرش : ( يا من أظهر الجميل وستر القبيح ... الدعاء ) . إلاّ أن الإستعمال الوارد في العبارة الماثلة أمامنا خاص بفعل القبيح ؛ وذلك بقرينة وجود الزجر ؛ لأنه لا يكون إلاّ على الفعل القبيح ، وكذلك التعيير من الإخوان لا يكون إلاّ على الفعل القبيح أيضاً ومثله العقاب .

    ومن الملاحظ في هذا الأسلوب دقة التركيب ورص الكلمات رصاً غريباً ، حتى لتأخذ الواحدة منها بعنق الأخرى . فلقد استعمل الزجر من الآباء والأمهات بواقع السيطرة والمسؤولية لهما على الإبن . واستعمل التعيير من الإخوان وهو بمعنى التأنيب ؛ لأنهم لا يستطيعون أن يفعلوا أكثر من ذلك في حال تفشي الخطأ وعمل القبيح من بعضهم خصوصاً إذا قلنا بأن معنى الإخوان هم القرناء والأصدقاء .

    ثم قرن العقاب بالسلاطين وذلك بحكم المحافظة على الطمأنينة في المجتمع ، وكف أكف السوء من بين الناس عن بعضهم البعض وقطع دابر الفتنة .

    ومن الملاحظ أيضاً في قوله ـ عليه السلام ـ : ( يا من سترني من الآباء والأمهات أن يزجروني ، ومن العشائر والإخوان أن يعيروني ، ومن السلاطين أن يعاقبوني ) أنه قد طرح أساليب التربية الإنسانية في مراحلها المختلفة . فقد ذكر ثلاث مراحل عن التربية تتطور بتطور حياة الإنسان سنطرحها للبحث قريباً .

    ولقد قال علماء النفس من جملة ما قالوا : من الذات الفردية إلى المجتمع الواسع يتطور الطفل في نموه الإجتماعي . وقد مرّ معنا ما يقرب من هذا في ما مضى من أبحاث الكتاب .

    وقد ذكروا أيضاً في كثير من أبحاثهم في مقام التساؤل عن مسؤولية التربية عند الإنسان هل هو البيت ؟ أم المدرسة ؟ أم المجتمع ؟ بأن لكل من هذه المرافق الثلاث دوراً هاماً في تكوين شخصية الإنسان الحر ، ونكاد أن تكون المسؤولية موزعة بين هذه المرافق الحيوية الضرورية في حياة الإنسان .


     

    الردود والتعليقات (0)

    لا توجد ردود بعد على هذا المقال. كن أول من يشارك برأيه أو تعليقه!

    أضف رداً على المقال