![]() |
| الشيخ عباس الريس |
قال عليه السلام: [ يَا اللَّهُ ، يَا بَدِيءُ لَا بَدْءَ لَكَ ، يَا دَائِمَاً لَا نَفَادَ لَكَ ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ ، يَا مُحْيِيَ الْمَوْتَى ، يَا مَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ، يَا مَنْ قَلَّ لَهُ شُكْرِي فَلَمْ يُحْرِمْنِي ، وَعَظُمَتْ خَطِيئَتِي فَلَمْ يَفْضَحْنِي ، وَرَآنِي عَلَى الْمَعَاصِي فَلَمْ يَخْذُلْنِي ] .
اللغة
بديء: بدىء ذي بدء أي أول أول، وقوله تعالى: ﴿وما يبدىء الباطل وما يعيد﴾^(1) قال فيه الزجاج: (ما) في موضع نصب، أي: أيُّ شيء يبدىء الباطل؟ وأي شيء يعيد؟
وبديء من بدأت، والبدء العجب، وجاء بأمر بدىء أي عجيب. والبدء السيد الأول في السيادة. والبدء والبديء البئر التي حفرت في الإسلام حديثة، والبدء المخلوق.
نفاد: نفد الشيء نفداً ونفاداً فني وذهب. وفي التنزيل العزيز: ﴿ما نفدت كلمات الله﴾^(2) قال الزجاج: معناه ما انقطعت ولا فنيت. يروى أن المشركين قالوا في القرآن هذا الكلام سينفد وينقطع فأعلم الله تعالى أن كلامه وحكمته لا تنفد. وأنفد القوم إذا نفد زادهم، أو نفدت أموالهم.
قال ابن هرمة:
أغر كمثل البدر يستمطر الندى ... ويهتز مرتاحا إذا هو أنفدا
ونافدت الخصم منافدة إذا حاججته حتى تقطع حجته.
قيوم: القيوم والقيام والمدبر واحد. قال الزجاج: القيوم والقيام في صفة الله ـ تعالى ـ وأسمائه الحسنى القائم بتدبير أمر خلقه في إنشائهم ورزقهم وعلمه بأمكنتهم.
وقال قتادة: القيوم القائم على خلقه بآجالهم وأعمالهم وأرزاقهم.
وقال مجاهد: القيوم القائم على شيء.
وقال الكلبي: القيوم الذي لا بدء له، والقيوم من أسماء الله المعدودة، وهو القائم بنفسه مطلقاً لا بغيره، وهو مع ذلك يقوم به موجود حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به.
يخذلني: الخاذل ضد الناصر، والتخذيل حمل الرجل على خذلان صاحبه، وخذلان العبد أن لا يعصمه من الشبه فيقع فيها نعوذ بالله من ذلك، وخذل عنه أصحابه تخذيلاً أي حملهم على خذلانه، وتخاذل القوم أي خذل بعضهم بعضاً، وفي الحديث: المؤمن أخو المؤمن لا يخذله. ورجل خذول الرِّجل تخذله رجله من ضعف أو عاهة.
قال الأعشى:
فترى القوم نشاوى كلّهم ... مثلما مدت نصاحات الربح كل وضاح كريم جده ... وخذول الرجل من غير كسح
البيان
لا زال في هذه الفقرة يسأل الله في مثل ذلك الموقف، ويتوسل إليه بأعز أسمائه لديه. وعندما يذكر صفاته وأسماءه بالثناء والحمد ويناديه نداء المستجير المنقطع إليه يلتمس من وراء ذلك الإجابة المحققة التي لا يراوده فيها أدنى شك.
فقوله ـ عليه السلام ـ: (يا الله يا بديء لا بدء لك، يا دائماً لا نفاد لك) هو قد وصفه فيه بصفتين لم يشاركه فيهما أحد من الموجودات. فالبداية بلا بدء، والدوام بلا نفاد هما صفتان خاصتان به ـ سبحانه ـ.
أما الأولى فإن بداية الخلق من أول يوم خلق الله الخلق فيه مهما توغلنا في عمق الزمن، ومهما رجعنا بالتاريخ الكوني إلى الخلف، ومهما كانت الأعداد المذهلة من السنين الكوني إلى الخلف، ومهما كانت الأعداد المذهلة من السنين بملايينها وآلاف ملايينها فإنها لا بد في النهاية أن تقف عند نهاية، سواء علمها العقل أم لا، وسواء تعقلها أم لا، وسواء تصورها أم لا.
فتغير العالم دليل على حدوثه، فكل متغير حادث. والحركة والسكون في هذا الكون تدلان على أن كل شيء فيه متغير، وهذا كلام لا كلام فيه.
أما بالنسبة إلى الله ـ تعالى ـ فإن بدايته بلا بداية كما هو في النص الماثل أمامنا (يا بديء لا بدء لك)؛ وذلك لعدم إنفكاك الموجودات عن موجدها، والمخلوقات عن خالقها، والمعلول عن العلة.
وأما بالنسبة إلى الصفة الثانية وهي قوله ـ عليه السلام ـ: (يا دائماً لا نفاد لك) فإنه قد مرّ علينا في فصل اللغة أن النفاد بمعنى الذهاب والفناء. وهذه من الصفات الثابتة له ـ تعالى ـ بالضرورة، وكما توضحه الصفات المتلاحقة في النص الماثل بين يدي البحث.
وقد ورد الكثير في هذا المعنى في الكتاب العزيز، كما ورد تفسير ذلك أيضاً عن أهل البيت الطاهر ـ عليهم السلام ـ فمن ذلك ما جاء في كتاب التوحيد للشيخ الصدوق ـ رحمه الله ـ قال:
حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل ـ رحمه الله ـ، قال: حدثنا علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن ابن أُذينه، عن محمد بن حكيم، عن الميمون البان قال: سمعت أبا عبدالله ـ عليه السلام ـ وقد سئل عن قوله ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿هو الأول والآخر﴾، فقال ـ عليه السلام ـ: الأول لا عن أول كان قبله ولا عن بديء سبقه، والآخر لا عن نهاية كما يعقل من صفة المخلوقين، ولكن قديم أول، آخر لم يزل، ولا يزال بلا بدء ولا نهاية، لا يقع عليه الحدوث، ولا يحول من حال إلى حال، خالق كل شيء^(3).
وفيه أيضاً قال: حدثنا الحسين بن أحمد بن إدريس ـ رحمه الله ـ، عن أبيه، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن فضيل بن عثمان، عن ابن أبي يعفور، قال: سألت أبا عبدالله ـ عليه السلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿هو الأول والآخر﴾، وقلت: أما الأول فقد عرفناه، وأما الآخر فبين لنا تفسيره، فقال: إنه ليس شيء إلا يبيد أو يتغير أو يدخله الغير والزوال أو ينتقل من لون إلى لون، ومن هيئة إلى هيئة، ومن صفة إلى صفة، ومن زيادة إلى نقصان، ومن نقصان إلى زيادة إلاّ ربّ العالمين، فإنه لم يزل ولا يزال واحداً هو الأوّل قبل كل شيء، وهو الآخر على ما لم يزل. لا تختلف عليه الصفات والأسماء ما لم يختلف على غيره مثل الإنسان الذي يكون تراباً مرة، ومرة لحماً، ومرة دماً، ومرة رفاتاً ورميماً، وكالتمر الذي يكون مرة بلحاً، ومرة بسراً، ومرة رطباً، ومرة تمراً، فيتبدل عليه الأسماء والصفات، والله ـ عزّ وجلّ ـ بخلاف ذلك^(4).
ومما جاء في دعاء يوم الجمعة عن الإمام زين العابدين ـ عليه السلام ـ قوله: (الحمد لله الأول قبل الإنشاء والإحياء، والآخر بعد فناء الأشياء...) الدعاء. وفي نهج البلاغة قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: (... وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له. الأول لا شيء قبله، والآخر لا غاية له، لا تقع الأوهام له على صفة، ولا تعقد القلوب منه على كيفية، ولا تناله التجزئة والتبعيض، ولا تحيط به الأبصار والقلوب).
الهوامش
(1) سورة سبأ، آية: 49. (2) سورة لقمان، آية: 27. (3) كتاب التوحيد للصدوق: ص 313. (4) كتاب التوحيد للصدوق: ص 313.

الردود والتعليقات (0)
أضف رداً على المقال