![]() |
| شرح دعاء عرفة للإمام الحسين |
قال عليه السلام :
[فَسُبْحَانَكَ سُبْحَانَكَ مِنْ مُبْدِىءٍ مُعِيدٍ ، حَمِيدٍ مَجِيدٍ ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُكَ ، وَعَظُمَتْ آلَاؤُكَ ، فَأَيَّ نِعَمِكَ يَا إِلَهِي أُحْصِي عَدَداً أَوْ ذِكْراً ، أَمْ أَيَّ عَطَايَاكَ أَقُومُ بِهَا شُكْراً ، وَهِيَ يَا رَبِّ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصِيَهَا الْعَادُّونَ ، أَوْ يَبْلُغَ عِلْماً بِهَا الْحَافِظُونَ] .
اللغة
سبحان : سبحان الله معناه تنزيهاً لله تعالى عن كل ما لا ينبغي له أن يوصف به ، ونصبه أنه في موضع فعل على معنى تسبيحاً له تقول : سبحت الله تسبيحاً له أي نزهته تنزيهاً ، وفي قوله تعالى : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾(١) قال الزجاج هو منصوب على المصدر . ثم قال : وسبحان في اللغة تنزيه الله عز وجل عن السوء ، وقيل : قوله سبحانك أي أنزهك يا رب من كل سوء وأبرؤك .
وروى الأزهري بإسناده أن ابن الكوى سأل علياً «عليه السلام» عن سبحان الله ، فقال : كلمة رضيها الله لنفسه فأوصى بها . وتأتي للتعجب ، وقد تأتي في الشعر منونة على أنها نكرة بمعنى تنزيه قال أمية :
سبحانه ثم سبحاناً يعود له، وقبلنا سبح الجودي والجمد
وقال ابن جني : سبحان اسم علم بمعنى البراءة والتنزيه ، وهي بمنزلة عثمان وعمران ، فاجتمع بذلك فيها التعريف ، والألف والنون ، وكلاهما تمنع من الصرف .
مجيد : للمبالغة وذلك إذا قارن شرف الذات حسن الفعال سمي مجداً ، والمجيد من صفات الله عز وجل ، وفي التنزيل جاء قوله تعالى : ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾(١) . والمجد في كلام العرب الشرف الواسع ، وفي قوله تعالى : ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ . قال أبو إسحاق معنى المجيد الكريم ، ورجل ماجد ومجيد إذا كان كريماً معطاءً .
تقدست : التقديس تنزيه الله «عز وجل» وهو المقدس ، القدوس المقدس من القدس وهو الطهارة ، وكان سيبويه يقول : سُبُّوح وقُدُّوس بفتح أوائلهما . وقال الأزهري لم يجىء في صفات الله تعالى غير القدوس ، وهو الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص ، والتقديس التطهير والتبريك . قال الزجاج معنى نقدس لك أي نطهر أنفسنا لك . وقال الفراء : الأرض المقدسة الطاهرة ، وهي دمشق ، وفلسطين ، وبعض الأردن .
الآلاء : النعم واحدها أَلْيٌ بالفتح ، وإِلْيٌ وأُلْيٌ ، وفي الحديث تفكروا في آلاء الله ، ولا تتفكروا في الله .
قال النابغة :
هم الملوك وأبناء الملوك لهم فضل على الناس في الآلاء والنعم
وآلاء بالفتح : شجر حسن المنظر مرّ الطعم ، والآلاء شجر من شجر الرمل دائم الخضرة أبداً يؤكل ما دام رطباً .
الإله : الله عز وجل وكل ما اتخذ من دونه معبود إله عند متخذه ، والجمع آلهة ، والآلهة الأصنام ، سمّوا بذلك باعتقادهم أن العبادة تحق لها ، وأصله من أله يأله إذا تحير ، يريد إذا وقع العبد في عظمة الله وجلاله ، وغير ذلك من صفات الربوبية ، وصرف همّه إليها ابتعد عن الناس ، وتعلق بالله .
البيان
إن صفات الباري سبحانه يقسمها علماء الكلام إلى قسمين : صفات ثبوتية ، وصفات سلبية ، وقد تقدم في مباحث متعددة من الكتاب لمحات خاطفة عن ذلك . ونضيف هنا بعض ما يتسنّى لنا من الحديث عنها فنقول :
أولاً : أما الصفات الثبوتية فهي الصفات التي يمكن أن تنسب إليه سبحانه ، ومنها القادر ، والمختار ، والرحيم ، والرحمن وغيرها . وقد قسمها العلماء إلى قسمين : صفات ذات ، وصفات أفعال .
ويقول الشيخ المفيد «رحمه الله» صفات الله على ضربين : أحدهما منسوب إلى الذات فيقال عنها أنها صفات للذات ، وثانيهما منسوب إلى الأفعال :
١ - أما صفات الذات فهي تلك التي لا يتصف الله «سبحانه» بأضدادها ، ولا يجوز أن يخلو عنها ، كالعلم ، والقدرة ، والحياة . فلا يوصف سبحانه بالجهل ، أو العجز ، أو الموت . كما لا يجوز أن يخلو من هذه الصفات أبداً .
يقول الشيخ المفيد : (فصفات الذات له تعالى هي وصفه بأنه حي عالم قادر . ألا ترى أنه مستحق لهذه الصفات ولا يزال ؟ فلا يوصف بالموت ، ولا بالعجز ، ولا بالجهل . كما لا يوصف بخلوه عن الحياة والعلم ؛ لأن هذه الصفات ثابتة له)(١) .
٢ - أما صفات الأفعال فهي تلك التي يراد بها أنه يصح أن يتصف الله بأضدادها ، كما يجوز أن يخلو عنها ، كالخالق ، والرازق ، والمحيي ، والمميت ، والمبدىء ، والمعيد ، وغيرها . فيجوز أن يتصف بها بأنه غير خالق اليوم ، ولا رازق لزيد الذي مات بالأمس أو لم يوجد بعد ، ولا محيي للميت الفلاني ، ولا مبدء لشيء في هذه الحالة .
وصفات الأفعال لما لم تكن جارية على الذات بلحاظ نفس الذات ، بل بلحاظ وجود الأفعال ، فإنها على هذا لا يصح أن توصف الذات بها قبل وجودها ، فهي إذاً حادثة بحدوث تلك الأفعال ، وعلى هذا فقبل خلقه الخلق لا يوصف بأنه خالق ، وقبل إماتته الخلق لا يقال عنه مميت(٢) .
وفي هذه الصفات الثبوتية وقع خلاف بين علماء المسلمين على ما هو المقصود منها ؟ فذهب الأقدمون من مشايخ المعتزلة إلى أنه عبارة عن كونه على صفة لأجلها يصح منه الفعل . وذهب بعض متأخريهم ومنهم الجبّائي إلى أن ذلك عبارة عن حقيقته المتميزة التي تفعل بحسب الدواعي المختلفة ، وقال آخرون إنه عبارة عن كونه بحيث إذا شاء فعل ، وإذا شاء لم يفعل وهذا ما استقر عليه الرأي الصحيح(١) .
ثانياً : أما الصفات السلبية فهي تلك التي يجب سلبها عن الذات المقدسة ؛ لأن الاتصاف بها يلزم منه من المحالات ؛ لأنها تتنافى مع وجوب الوجود .
فمنها أنه ليس بمرئي ، وليس متحيز ، وليس بمتحد ولا حالّ في غيره ، وإنه ليس بمركب وغير ذلك .
وإننا لو تأملنا هذه الصفات جميعها لوجدنا أن وجه وجوب سلبها عنه سبحانه إنما هو بلحاظ توقف اتصافه بها على أن يكون جسماً ؛ ليكون متحيزاً ، أو متحداً ، أو حالاً في غيره أو مركباً . فإن جميع هذه الأمور من لوازم ثبوت الجسمية له - سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً - .
ولو أردنا أن نستعرض فرق المجسمة لوجدناها تتمثل بشكل عام في الحنابلة والكرامية ومتقدمي الأشاعرة بما فيهم أبو الحسن الأشعري مؤسس هذا المذهب ، حيث نراه يقول في مقام شرحه لعقيدة أهل السنة : (وله - أي الله - يدان وعينان ووجه وغير ذلك من الأعضاء) . ثم نراه يقول بعد ذلك (وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول ، وإليه نذهب) .
وإذا نظرنا إلى هذه النظريات في التجسيم رأينا أنها محكومة بالفشل ، ورأينا كذلك تحمل معها دليل بطلانها ؛ لأن القول بالجسمية له لوازم كثيرة كالحاجة إلى المكان ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، كما يدل كونه جسماً على أنه حادث ويلزم من ذلك كونه مسبوقاً بالعدم ، وهو محتاج أيضاً إلى علة توجده ، سبحانه وتعالى عمّا يصفون .
وإذا تأملنا ما جاءت به هذه الفرق المجسمة من أدلة على نظرياتها الفاسدة وجدناها لا تساوي صفراً مجرداً وحسبنا في ذلك - بقطع النظر عن حكم العقل - ما جاء به الكتاب العزيز من أدلة سمعية تكاد - لقوتها - أن تكون ملموسة ، وذلك مثل قوله تعالى : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(١) ، فهذه الآية الكريمة كافية في الدلالة على كونه «تعالى» جسماً مركباً من الأعضاء والأجزاء ، وحاصلاً من المكان والجهة ، إذ لو كان جسماً مركباً مثلاً كسائر الأجسام للزم حصول الأمثال والأشباه له ، وفي ذلك ما فيه من تكذيب لمضمون ما في الآية .
الهوامش:
(١) سورة الإسراء / الآية : ١ .
(١) سورة البروج / الآية : ١٥ .
(١) تصحيح إعتقادات ، الصدوق للشيخ المفيد : ص ١١ .
(٢) نفس الصفحة من المصدر المتقدم .
(١) قواعد المرام ، للشيخ ميثم البحراني : ص ٨٣ .

الردود والتعليقات (0)
أضف رداً على المقال