![]() |
| شرح دعاء عرفة |
قال عليه السلام :
[ ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي إِلَى الدُّنْيَا تَامَّاً سَوِيّاً ، وَحَفِظْتَنِي فِي الْمَهْدِ طِفْلاً صَبِيّاً ، وَرَزَقْتَنِي مِنَ الْغِذَاءِ لَبَنَاً مَرِيّاً ، وَعَطَفْتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الْحَوَاضِنِ ، وَكَفَّلْتَنِي الْأُمَّهَاتِ الرَّحَائِمَ ، وَكَلأْتَنِي مِنْ طَوَارِقِ الْجَانِّ ، وَسَلَّمْتَنِي مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ، فَتَعَالَيْتَ يَا رَحِيمُ يَا رَحْمَانُ ] .
اللغة
سوياً : الإستواء فعله لازم من قولك سويته فاستوى ونقول العرب إستوى الشيء مع كذا وكذا، وبكذا . ويقال إستوى الماء والخشبة ، أي مع الخشبة ، قال تعالى : ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾(١) .
المهد : مهد الصبي موضعه الذي يهيأ له ويوطأ لينام فيه ، قال تعالى : ﴿ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً ﴾(٢) ، وقال تعالى : ﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾(١) .
والمهد النشر من الأرض عن ابن الأعرابي ، وأنشد :
إن أبـاك مـطـلـق مـن جـهـد إن أنـت كـثـرت قـشـور الـمـهـد
مريا : المرىء رأس المعدة ، والكرش اللازق بالحلقوم ، ومنه يدخل الطعام في البطن ، والطعام المرىء هو الذي يمر في هذه القناة بسهولة .
الحواضن : حضن الطائر بيضه وعلى بيضه ـ لازماً ومتعدياً ـ وجن عليه للتفريخ . وقال الجوهري حضن الطائر بيضه إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحيه وكذلك المرأة إذا حضنت ولدها ، وحمامة حاضن بغير ( هـاء ) . واسم المكان المحضن ، والحضانة مصدر الحاضن ، وحضن الصبي حضناً ربّاه ، والحاضن والحاضنة الموكلان بالصبي يحفظانه ويربيانه ، والحاضنة هي التي تربي الطفل .
قال القشيري :
من كل بائنة تبين عذوقها عنها وحاضنة لها ميقار
كلأ : يقال كلأك الله أي حفظك وحرسك .
قال الشاعر :
إن سليمى والله يكلؤها ضنّت بزادٍ ما كان يرزؤها
وقال تعالى : ﴿ قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾(٢) أي يحفظكم .
الطوارق : جمع طارق وهو كل آتٍ ليلاً ، وقيل أصل الطروق من الطرق وهو الدق ، وسمّي الآتي بالليل طارقاً لحاجته إلى دق الباب فيكون في وقت غير مألوف ، فربما أرتاع له أهل المنزل ، وفيه تأمل ؛ لأن الطارق الأجنبي يحتاج لذلك إذا أتى منزلاً ليلاً أو نهاراً .
قال الشاعر :
أما القطاة فإني سوف أنعتها نعتاً يوافق نعتي بعض ما فيها
سقاء محظومة في ريشها طرقٌ سود قوادمها سحم خوافيها
وجاء في الحديث : ( كأن وجوههم المجان المطرقة ) ، يعني التي يطرق بعضها على بعض .
البيان
بدأ الحديث « عليه السلام » عن مرحلة من المراحل التي يمر بها الإنسان ، فقد ذكر في ما مضى الحديث عن الجنين في بطن امه ، وما تعانيه الأم من الجهد والتعب في مدة الحمل ، وما يطرأ عليه من التطورات التي ينتقل فيها بين فترة واخرى في تلك المدة ، من حين تخلقه حتى الولادة .
أما هاهنا فإن الكلام يدور حوله ، ولكن في ما بعد الولادة ، وهي الحياة الحقيقية للإنسان ، والتي يتحمل فيها المسؤولية كاملة ؛ لأن خلقه وحياته في هذه الفترة يؤدي دوراً فيها كما أنيط به ذلك ، قال تعالى : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾(١) .
وفي هذه الفترة من عمر (الهيولى) تتغير التركيبة الفسيولوجية لجسم الإنسان ، وتختلف عنها وهو جنين في بطن أمه ، بحيث تتناسب هذه التركيبة والجو الطبيعي الذي يعيش عليه الإنسان في تنفسه ، وفي غذائه ، وفي شرابه ـ كما ورد ذلك عن أهل البيت «عليهم السلام» .
فقد روى الصدوق في العيون عن موسى بن جعفر « عليه السلام » انه دخل على الرشيد ، فقال له الرشيد : يا بن رسول الله أخبرني عن الطبائع الأربع .
فقال : «عليه السلام» (أما الريح فإنه ملك يداري ، وأما الدّم فإنه عبد عارم ، وربّما قتل العبد مولاه .
وأما البلغم فإنه خصم جدل ، إن سددته من جانب انفتح من آخر .
وأما المرة فإنه الأرض إذا اهتزت رجفت بما فوقها ، فقال له هارون : يابن رسول الله تنفق على الناس من كنوز الله ورسوله) .
الهوامش:
(١) سورة القصص / الآية : ١٤ .
(٢) سورة مريم / الآية : ٢٩ .
(١) سورة آل عمران / الآية : ٤٦ .
(٢) سورة الأنبياء / الآية : ٤٢ .
(١) سورة المؤمنون / الآية : ١١٥ .

الردود والتعليقات (0)
أضف رداً على المقال