قال عليه السلام :
[ حتى إذا أتممت عليّ جميع النعم ، وصرفت عني كل النقم لم يمنعك جهلي وجرأتي عليك أن دللتني على ما يُقربني إليك ، ووفقتني لما يزلفني لديك ، فإن دعوتك أجبتني ، وإن سألتك أعطيتني ، وإن أطعتك شكرتني ، وإن شكرتك زدتني ، كل ذلك إكمالاً لأنعمك عليّ ، وإحسانك إليّ ] .
اللغــة
النقم : جمع نقمة وهي المكافئة بالعقوبة ، والنقمة الإنكار وجاء فيما نسب إلى الإمام علي « عليه السلام » :
ماتنقم الحرب العوان مني بازل عامين فتي سني وقال الجوهري : نقمت على الرجل أنقم بالكسر فأنا ناقم إذا عتبت عليه ، وانتقم الله منه أي عاقبه ويأتي الجمع نقمات مثل كلمة وكلمات . قال تعالى : ﴿ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ﴾ (١) .
الجرأة : هي الشجاعة ورجل جريء مقدم ، والجريء المقدام وتجرأ عليه واستجرأ جرأة أي جريء عند الإقدام ، وجرّاء عليه بوزن علماء جمع جريء أي متسلطون غير هائبين .
يزلف : الزلف ، والزلفة ، والزلفى القربة ، والدرجة ، والمنزلة قال تعالى : ﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى ﴾ (١) .
وزلف إليه وازدلف وتزلف دنى منه ، قال أبو زيد :
حتى إذا أعصوصبوا دون الركاب معاً دنى تزلف ذي هدمين مقرور
وأزلف الشيء أي قربه ، قال تعالى : ﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ (٢) .
والمزدلفة موضع بين منى وعرفات يقف به الحاج ما بين الطلوعين ، قيل سميت لاقتراب الناس إلى منى بعد الإفاضة من عرفات . وزلف الليل ساعات من أوله .
البيــان
إن النعم التي يهبها الله للإنسان يقف أمامها حائراً ، لا يعرف بأيها يبدأ في الشكر ، إذا كان الإنسان قد تأملها واعترف بها .
هذه النعم ينبغي للإنسان أن يحافظ عليها . والإعتراف بها ، والقيام بحقها وهو الشكر لله « تعالى » عليها هو نوع من المحافظة عليها .
وقد مر في بحث متقدم من هذا الجزء بأن شكر المنعم واجب ، والشكر ليس معناه القول دون الفعل ، فإن تأدية حق النعمة ليس بالكلام فقط ، وإنما هو إخراج ما في ذمة الفرد من حق الله تعالى من زكاة وصدقات وخمس ، إذا كانت النعمة مالاً ، وغيرها ما يناسبها ، كل ذلك مضاف إلى الثناء والحمد بالقلب واللسان .
وفي سياق هذه العبارة عرض « عليه السلام » كيفية الإعتراف بالنعم ، وكيف صرف الله عنه النقم التي هي عبارة عن كل ما يؤذي الإنسان في حياته ، وبذلك يكون تمام الإحسان ؛ لأن النعم لو تمت على الإنسان وبقي يتقلب فيها ليلاً نهاراً ، ولكن لم يصرف عنه الأذى والآلام التي تعتريه عادة في مكابدته للحياة التي خلق فيها ، كما قال تعالى : ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ (١) فإن النعم والحال هذه لا تخلو من كدر . فتمام النعمة على الإنسان هو صرف كل ما يغايرها مما ينافي في الراحة اللازمة لتلك النعم .
ونستطيع أن نوجه هذا المعنى توجيهاً تاريخياً عقائدياً إلى ما تشير إليه الآية الكريمة النازلة يوم غدير خم ، وهي قوله تعالى : ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ (٢) . وهو أن ولاية أمير المؤمنين المنصوص عليها في كتاب الله في مواضع كثيرة منه يكون بها كمال الدين ، وتمام النعمة ، ومعنى ذلك : زوال كل العقبات الموجودة أمام الإنسان ، وإزاحة الحواجز التي تمنعه من الوصول إلى رضا الرب « سبحانه » وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : ﴿ وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا ﴾ (٣) .
وبما أن هذا الحدث هو تحول في تاريخ الإسلام كبير ، وقد بقي هذا محلاً للأخذ والرد ، والنقض والإبرام ، والتحليل والتأويل ، والنفي والإثبات بإملاء الأهواء والأنانيات والأحقاد ، على كثرة ما ورد في ذلك من الأدلة النقلية والعقلية ، حتى لقد أصبح من القضايا البديهية التي تكون قياساتها معها .
ومع كل هذا فإنا نود أن نشير إلى تلك الإثارة من العلم التي رواها الجم الغفير من العلماء على إختلاف مذاهبهم الإسلامية إشارة عابرة ، لكي لا يخلو كتابنا هذا من ذكرها ، ومن أراد المزيد من الإضطلاع فليرجع إلى هذا الموضوع في مصنفاته التاريخية المختصة فنقول :
قال الترمذي في صحيحه عن زيد بن أرقم آخى رسول الله « صَلَّى الله عليه وآله وسلم » بين أصحابه ، وترك علياً ، فجاءه تدمع عيناه وقال : يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد ، فقال له النبي « صَلَّى الله عليه وآله وسلم » : أنت أخي في الدنيا والآخرة . ثم قال : أيها الناس من كنت مولاه فعلي مولاه ، وزاد غيره من نقله الأخبار ذكر اليوم الذي نصب فيه رسول الله « صَلَّى الله عليه وآله وسلم » علياً « عليه السلام » علماً وإماماً للناس ، وأكد عليهم البيعة لأمير المؤمنين « عليه السلام » ، وأنكروا إسم الموضع الذي قال فيه الحديث المتقدم ، وذكر الزمان وكيفيته ، وأثبتوه في روايات ، ووثقوا رواته من طريق المخالف والمؤالف ، بعد ما أفاض من عرفات ، ونفر من منى قالوا جميعاً : فأما المكان فهو ما بين مكة والمدينة ، قبل الربذة (١) وبعد رابغ (٢) .
وأما الأسم فغدير خم ، وأما اليوم فهو الثامن عشر من ذي الحجة الحرام ، والمكان لم يصلح للنزول لعدم الماء والكلأ ، وإن أكثر من حضره ليلف رداءه على قدميه فسمي ذلك اليوم يوم غدير خم . واشتهر بين الطائفتين باسمه وفضله إلى يوم القيامة . وسماه رسول الله « صَلَّى الله عليه وآله وسلم » ( غدير عيد وسرور ) بإكمال الدين وإكمال النعمة ، ورضا الرب على من عرف حقه ، وسخط على من رام الغميزة فيه . وسماه أيضاً ( يوم موسم ) .
الهوامش :
(١) سورة السجدة / الآية : ٢٢ .
(١) سورة سبأ / الآية : ٣٧ .
(٢) سورة ق / الآية : ٣١ .
(١) سورة البلد / الآية : ٤ .
(٢) سورة المائدة / الآية : ٣ .
(٣) سورة الجن / الآية : ١٦ .
(١) الربذة : - قيل سميت باسم جبل عندها ، وقال ابن الكلبي عن الشرقي : الربذة وزرود والشفرة بنات يثرب بن قانية بن مهليل بن أرم بن عبيل بن ارفخشد بن سام بن نوح « عليه السلام » . والربذة من قرى المدينة على ثلاثة أيام قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة ، وإليها نفي أبو ذر الغفاري ومات بها سنة ٣٢ هجرية وهي من منازل الحاج بين السليلة والعمق وقد خربت في سنة ٣١٩ هجرية بسبب إتصال الحروب بين أهلها وبين بعض القبائل . ذكر ذلك ياقوت الحموي في معجم البلدان .
(٢) رابغ : - وادٍ يقطعه الحاج بين الزواء والجحفة دون عزور وقال ابن السكيت رابغ وادٍ من دون الجحفة يقطعه طريق الحاج من دون عزور . وقال الحازمي : بطن رابغ وادٍ من الجحفة له ذكر في المغازي وفي أيام العرب ، وقال الواقدي : هو على عشرة أميال من الجحفة في ما بين الأبواء والجحفة ، وقد ذكر في كثير من أشعار العرب . قال كثير :
أقول وقد جاوزن من صدر رابغ مهامه غبراً يقرع الأكم آلها
الردود والتعليقات (0)
أضف رداً على المقال