مجلس الشيخ عباس الريس

الدراز - البحرين
مقالات مختارة

شذرات من شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام

محتويات المقال

    شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام 


    قال عليه السلام :

    [ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ تَامُورُ صَدْرِي ، وَنِيَاطُ حِجَابِ قَلْبِي ، وَأَفْلَاذُ حَوَاشِي كَبِدِي ، وَمَا حَوَتْهُ شَرَاسِيفُ أَضْلَاعِي ، وَحِقَاقُ مَفَاصِلِي ، وَأَطْرَافُ أَنَامِلِي ، وَقَبْضُ عَوَامِلِي ، وَلَحْمِي وَدَمِي ، وَشَعْرِي ، وَبَشَرِي ، وَعَصَبِي ، وَقَصَبِي ، وَعِظَامِي ، وَمُخِّي ، وَعُرُوقِي ، وَجَمِيعُ جَوَارِحِي ، وَمَا أَنْتَسَجَ عَلَى ذَلِكَ أَيَّامَ رِضَاعِي ، وَمَا أَقَلَّتِ الْأَرْضُ مِنِّي ، وَنَوْمِي ، وَيَقَظَتِي ، وَسُكُونِي ، وَحَرَكَاتُ رُكُوعِي وَسُجُودِي ] .

    ​اللغة

    ​التامور : والتامورة الإبريق ، وقيل التامور والتامورة الخمر نفسها . وقال الأصمعي : التامور الدم ، والخمر ، والزعفران ، والتامور النفس . وقال أبو زيد يُقال لقد علم تامور كذلك ، أي قد علمت نفس كذلك . والتامور : وعمّ بعضهم به كل دم ، قال عمر بن فنعاس المراوي :

    وثاموراً هرقت وليس خمراً *** وحبة غير طاحية طحيت

    والتامور غلاف القلب ، وحبة القلب .

    وقالوا أيضاً في تعريف آخر : التامور هو غشاء مصلي يحيط بالقلب ليقيه الإحتكاك بالرئتين الإسفنجيتين .

    ​النياط : نياط القلب ، وهو العرق الذي يتعلق به القلب ، وناط وإناط بعد .

    ​الفلذة : القطعة من الكبد واللحم والمال ، والذهب ، والفضة ، والجمع أفلاذ ، وفي الحديث في أشراط الساعة : وتقيء الأرض أفلاذ كبدها ، وفي رواية تلقي الأرض بأفلاذها ، أو بأفلاذ كبدها ، أي بكنوزها ، وأموالها . ومثله قوله تعالى : ﴿ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾ (١) ، وخص الكبد لذلك لأنها من أطايب الجزور .

    ​الشراسيف : جمع شرسوف وهو غضروف معلق بكل ضلع مثل غضروف الكتف . وقال ابن سيدة : الشرسوف ضلع على طرفها الغضروف الرقيق . وقال الأصمعي : الشراسيف أطراف أضلاع الصدر التي تشرف على البطن . وقال ابن الإعرابي : الشرسوف رأس الضلع مما يلي البطن .

    ​حقاق : حاقه في الأمر محاقة ، وحقاقاً أدّعى أنه أولى بالحق منه . والحقاق الإدراك ؛ لأن وقت الصغر ينتهي فتخرج الجارية من حد الصغر إلى الكبر .

    والحقاق بلوغ العقل ، والحقاق من الإبل جمع حق وحقه ، فهو الذي دخل في السنة الرابعة .

    ​أقل : حمل . واستقل القوم أي ذهبوا ، واحتملوا سارين ، وارتحلوا . قال الله تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً ﴾ (٢) أي حملت .

    ​سكون : السكون ضد الحركة ، وسكن الشيء يسكن سكوناً إذا ذهبت حركته ، وسكان السفينة عربي ، والسكان ما تسكن به السفينة عن الحركة والإضطراب ، وسكان البلد قاطنوه .

    ​الحركة : ضد السكون ، قال الجوهري الحارك من الفرس فروع الكتفين ، وهو أيضاً الكاهل .

    وفي تعريف آخر للحركة والسكون قالوا :

    الحركة هي الوجود الأول في المكان الثاني ، والسكون هو الوجود الثاني في المكان الأول .

    ​البيان

    ​إكمالاً لما تقدم من مواصلة بيان أعضاء الإنسان ، ويعني بالتالي ذلك بيان فوائدها ودورها الذي تؤديه بهذا الجسم المعقد التركيب ، وذلك إمعاناً منه ( عليه السلام ) في تعداد النعم الباطنة التي تمس الإنسان بصورة مباشرة - فإنه لو تعطل عضو من هذه الأعضاء لتعطل من أعضاء الإنسان المختلفة الكثير ، فالجهاز العصبي ، والجهاز الهضمي ، والجهاز العظمي ، وغيرها من الأجهزة التي تعتبر ممالك خاصة ، وكل عضو فيها يعمل ضمن حدود معروفة بحسب أوامر تصدر إليه من جهات عليا معروفة ، قد مرّ في البحث المتقدم إشارة إلى ذلك العمل الدؤوب . ونواصل هنا ما توقفنا عنه هناك ؛ لكي نكمل هذا الشوط الذي رسمه لنا أبو عبد الله الحسين ( عليه السلام ) ضمن كلامه الذي يتألق نوراً وحيوية .

    ​تطالعنا في بداية هذه الفقرة كلمة ( التامور ) ، وقد قلنا معنى ذلك في فصل اللغة أنه هو ذلك الغشاء المصلي الذي يحيط بالقلب فيحميه عن الإحتكاك بالرئتين الإسفنجيتين والقلب هو تلك المضخة التي تنبسط وتنقبض بحركة تلقائية فيتسبب عنها خروج الدم ليتوزع في جميع أجزاء الجسم ليمدّه بالغذاء والطاقة والحياة .

    ​إن هذه القطعة من الجسم تبدأ عملها بهذا الشكل في اللحظة الأولى التي تلج فيها الروح في الجسد ، ولا تتوقف إلا في آخر لحظة من حياة الإنسان لتفارقه روحه .

    إن هذا الجزء من جسم الإنسان هذا عمله ، وهذه أهميته لهو جدير بأن يحاط بكل عناية خوفاً عليه من المؤثرات الخارجية التي تسبب له التوقف عن العمل ، والذي يسبب بدوره الوفاة .

    ​إن الموقع الجغرافي للقلب في الجسم ينبؤك عن أهميته القصوى من بين أعضاء الإنسان ، وقد مثلوه بينها فقالوا إنه كالسلطان بين أعضاء الجسم لأنه يأمر وينهى جميع الأعضاء وليس عليها إلا السمع والطاعة ، وفي ضمن مقطوعة شعرية أشرت إشارة عابرة إلى ذلك فقلت :

    القلب كالسلطان للأعضاء *** أو مثل كسرى الفرس والأمراء

    هذا يغذيها غذاء حياتها *** والجسم لا يحيا بغير غذاء

    وبتلك تعتمر الحياة لأنها *** أجناده والجند للأعداء

    ​أما إضافة ( التامور ) إلى الصدر فهي تعني وجوده في هذا الصندوق المغلق في قوله ( عليه السلام ) : ( وما أشتمل عليه تامور صدري ) . وإذا تأملت هذه العبارة تقف حائراً أمام هذا التركيب الذي تضمن إشارة هي أشبه شيء ( بالشفرة ) التي أصطلح عليها العسكريون في ميادين القتال والتي تكون عادة مفهوم مغلفاً .

    ​فقوله : ( ما أشتمل عليه ) تشير إلى أن ( التامور ) قد ملأ بالقلب ، فهو يحفظه من الطوارىء ، ومن ثم يحفظ الحياة للإنسان ؛ لأنها تتوقف عليه ، فإذا توقف بأي فعل توقفت الحياة . وإن الإصابة بأمراض القلب يعني نقص في حياة الإنسان ، فهي مهددة في أي لحظة ، وموت الفجأة أو كما يسمونه حديثاً بالسكتة القلبية هو عينة المرض الذي يعتري الإنسان في قلبه فيسبب الوفاة له فوراً .

    ​وقد أودع الله هذا القلب إحساساً مرهفاً يختلف كثيراً عن بقية الأعضاء فتراه يزيد في نبضه عند الإحساس بالخطر أو عند التعب ، أو عند الخوف ؛ وذلك أن الجسم في هذه الحالة التي تعتري الإنسان ترتفع حرارته فيستنفد كثيراً من الدم الذي إنتشر في جميع أجزاء الجسم لتغذية الأنسجة والخلايا ، فيحتاج الجسم في هذه الحال إلى دم جديد ليعوض عن الدم المستهلك فوراً ، وإلا هبطت حرارته فجأة ، فيصاب الإنسان على أقل تقدير بأمراض مستعصية ومنها الشلل ، وهنا يبدأ عمل القلب في التعويض عن الدم المفقود ، فيضاعف من عمله ويزيد من نشاطه ليحافظ على توازن الجسم الصحي .

    ​ولقد ورد عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) في حديث قال من جملته : ( إذا ظهر الزنا كثر موت الفجأة ) . وهذا يعني أن الإنسان خصوصاً المؤمن يصاب بانبهات وحيرة ، ويغمره من الأسى ، والحزن ما يجعله أن يعتر به حالة من الفوضوية في جسمه ، على أثرها تتوتر أعصابه فترتفع حرارته فيحتاج إلى ضخ الدم في الجسم أكثر من حالاته العادية ، فيصاب القلب بمفاجآت ربما يكون غير مستعد لها فيصاب بالإرتباك ، وبسبب ذلك يحدث ( موت الفجأة ) .

    ​أما أفلاذ حواشي الكبد فإنها تعني التعرجات التي توجد في حواش الكبد ؛ لأن الكبد في حواشيها يوجد بعض هذه التعرجات ، أو التموجات ؛ لكن هذه التعرجات ، والتموجات ليست بسبب مرض أو عيب ، أو ما شابه ذلك ، ولكنها وجدت لكي تحمي الكبد بعضها البعض من الحركات التلقائية التي يتحركها الإنسان ؛ وذلك لأنها بسبب هذه الحركة تتحرك جميعها فلو لم تكن تلك الحواشي ، وعلى ذلك الشكل لتحركت كلها دفعة واحدة ، وأحس الإنسان بهذه الحركة ، وإحساسه بهذه الحركة من الكبد ربما يؤدي به إلى الوساوس على أقل تقدير ، إذا لم ينتج عن ذلك أذى للإنسان ، فوجود التعرجات ، أو فطور في بعض الحالات في حواشي الكبد ضروري لها ؛ لأنه لو تعرضت الكبد لحركة ضارة فإنها لا تشمل الكبد برمتها ، وإنما تختص بفلذة واحدة .

    ​ونستدرك هنا فنقول : أن هذه الأفلاذ ـ كما أشار إليها ( عليه السلام ) ، هي التي تجعل الكبد بمعزل عن الحركات العنيفة التي تضرّ بها ؛ لأنها تعطيها نوعاً من المرونة ، وهذه من النعم الخفية التي لا يدركها إلا من وفقه الله لذلك .

    ​أما شراسيف الأضلاع فهي كما وردت في فصل اللغة زوائد مرنة يسهل ثنيها ، وبذلك تسلم من الكسور التي تتعرض لها الأشياء الصلبة .

    ​وهذه شراسيف لا تختص بالإنسان فقط ، فإن الله قد أنعم بها على كل كائن حي ، حتى الحشرات المتناهية في الصغر .

    ​وقد جاء عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في خطبة النملة ، وهي من خطب نهج البلاغة قال : ( ولو فكرت في مجاري أكلها ، في علوها وسفلها ، وما في الجوف من شراسيف بطنها ، وما في الرأس من عينها وأذنها ، لقضيت من خلقها عجباً ، ولقيت من وصفها تعباً ! فتعالى الذي أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها ... الخ ) .

    ​هذه الزوائد المرنة في الأضلاع إضافة إلى حماية الأضلاع من الكسور تحمي الأحشاء الداخلية من الأضلاع فيما لو كانت رؤوسها صلبة مدببة فإنها تمزق في المعدة بأي حركة يتحركها الإنسان .

    ​أما حقاق المفاصل ، وأطراف الأنامل ، فهو كما يلوح من العبارة في الدعاء إضافة إلى القرائن المتقدمة هي رؤوس العظام التي تنتهي عادة بزوائد غضروفية مرنة تعتبر حماية للعظام من التأثر في نفسها ، أو التأثير في غيرها ؛ ولذلك وصل كلامه بأطراف الأنامل ، وقبض العوامل ، وناهيك بهذا من دقة في الصنع ، ودقة في الوصف .

    ​أما الدقة في الصنع فهي أن الخالق « سبحانه » قد هيأ لذلك ظروفاً مكانية خاصة تحيط بهذه الرؤوس الغضروفية الناتئة فجعلها محاطة بسائل دهني يتجدد كلما فقد العظم المتصل بهذه الغضاريف جزءاً منه بسبب الإحتكاك الناتج عن الحركات المختلفة ، فيكسوها بالمادة الصلبة مرة ثانية ، فهي تتجدد كلما احتاجت هذه الأعضاء إلى حماية .

    ​ولهذا نرى أن كثير الحركة أكثر حيوية ونشاطاً من القليل في حركته ؛ وذلك للتجديد المستمر أثناء الحركة المتواصلة .

    ​وأما الدقة في الوصف فإن الحسين ( عليه السلام ) قد أشار إلى ذلك ، ولكن هذه الإشارة تحمل أكثر من معنى . فهي إضافة إلى وصف هذه الأعضاء فإنها تحمل معنى الحكمة ـ كما أشرنا إلى ذلك .

    ​أما اللحم والدم ، والشعر ، والبشر ، والعصب والقصب ، والعظام والمخ ، والعروق ، وجميع الجوارح - كما ورد في سياق العبارة - فهي نعم من الله ، لا يحس بها الإنسان بل هي نعم عليه ضرورية لحياته .

    ​فاللحوم غنية بالمواد الزلالية والدسم ، أما الكربوهيدرات ( الفحوم المائية ) فكميتها قليلة .

    ​الهوامش:

    (١) سورة الزلزلة / الآية : ٢ .

    (٢) سورة الأعراف / الآية : ٥٧ .


     

    الردود والتعليقات (0)

    لا توجد ردود بعد على هذا المقال. كن أول من يشارك برأيه أو تعليقه!

    أضف رداً على المقال