![]() |
| شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام |
قال عليه السلام :
[ فَلا إِلَهَ غَيْرُهُ ، وَلا شَيءَ يَعْدِلُهُ ، وَلَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ ، وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ البَصِيرُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ ] .
اللغــة
إله : كلمة للجنس اتخذت لكلّ معبود ، والجمع آلهة والألهة : الأصنام سمّيت بذلك لاعتقادهم أنّ العبادة تحصين لها وجاء في حديث وهيب بن الورد : إذا وقع في إلهيّة الرب ومهيمِنيّة الصدّيقين ورهبانيّة الأبرار لم يجد أحداً يأخذ بقلبه ، أي لم يجد أحداً يعجبه ولم يحب إلاّ الله سبحانه .
قال ابن الأثير : هو مأخوذ من إِلهه وأصله من ألهَ يَألهُ ، إذا تحيّر . يريد إذا وقع العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبيّة وصرف همّته إليها أبغض الناس حتى لا يميل قلبه إلى أحد .
العرب : لله ما فعلت ذاك يريدون : والله ما فعلت ، والتأله : التعبيد قال الشاعر :
للهِ درّ الغانياتِ المـدَّهي سَبَّحـنَ واسـترجعن من تـألّـهِ
وقال تعالى : ﴿ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾(1) .
يعدله : عدل الموازين والمكاييل : سوّاها ، وعَدْل الشيء يعدله عدلاً وعادله : وازنه ، وعادلت بين الشيئين وعدلت فلاناً بفلان إذا سوّيت بينهما ، وتعديل الشيء تقويمه . قال تعالى : ﴿ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً ﴾(2) .
قال مهلهل :
على أن ليس عِدْلاً من كليبٍ إذا بـرزت مخبَّـأة الخـدورِ
كمثله : المثل كلمة تسوية وهي تقارب في المعنى الكلمة السابقة . ولكن قال ابن برّي : الفرق بين المماثلة والمساواة أن المساواة بين المختلفين في الجنس ، والمتفقين ؛ لأن التساوي هو التكافؤ لا يزيد ولا ينقص في المقدار . وأما المماثلة فلا تكون إلاّ في المتفقين . وإذا قيل هو مثله على الإطلاق فإنّه يسدّ مسدّه ، وإذا قيل هو مثله في كذا فهو مساوٍ له في جهة دون جهة قال تعالى : ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً ﴾(3) .
السمع : حسّ الأذن ، وفي التنزيل ﴿ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾(4) .
وفي الحديث : ملأ الله مسامعه . هي جمع مسمع وهي آلة السمع ، والأذن أخفّ الأعضاء شعراً ، بل أكثرها لا شعر فيه فيكون النزع منها أبلغ ، وفي التنزيل ﴿ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾(5) ، وهي صفة من صفاته عزّ وجل .
وقد يكون في كلام العرب السميع بمعنى سامع ويكون مسمع ، قال عمرو بن معدي كرب الزبيدي :
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحـابـي هجـوع
العليم : والعالم والعلاّم من صفاته تعالى ، قال سبحانه : ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾(1) ، وقال جلّ وعلا : ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾(2) ، وقال تعالى : ﴿ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾(3) .
والعلم نقيض الجهل ، ورجل عالم وعليم ، من قوم علماء .
قال ابن جنّي : لمّا كان العلم قد يكون الوصف به بعد المزاولة له وطول الملابسة ، صار كأنّه غريزة ولم يكن على أوّل دخوله فيه ولو كان كذلك لكان متعلماً لا عالماً ، فلمّا خرج بالغريزة إلى باب فعل صار عالماً في المعنى كعليم .
من أسمائه تعالى ، وهو الذي يشاهد الأشياء كلّها ظاهرها وباطنها ، والبصر في حقّه عبارة عن الصنعة التي ينكشف بها كمال نعوت المبصرات ، أي على حقيقتها ، أو لا تخفى عليه دقائقها .
والبصر حاسّة الرؤية ، وأبصرت الشيء رأيته ، قال الشاعر :
فبت على رحلي وبات مكانه أراقب ردفي تارة وأباصره
اللطيف : من أسماء الله أيضاً ، وصفاته ، وفي التنزيل قال تعالى : ﴿ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾(4) ، قال ابن الأثير : اللطيف هو الذي اجتمع له الرفق في الفعل والعلم بدقائق المصالح ، وإيصالها إلى من قدّرها له من خلقه .
البيــان
( فلا إله غيره ) . هذه هي الكلمة التي فطر الله الناس عليها ونادت بها الأنبياء الذين بعثهم الله لكي يخرجوا الناس من الظلمات إلى النور . وهي من أهمّ الأبحاث عند علماء الكلام .
فلا شك أن واجب الوجود واحد لا تعدد فيه ، وللعلماء من أهل الفرق الإسلامية طرق في الإستدلال بعضها أوضح من بعض .
وقد أستدلّ الحكماء منهم أنّ وجوده وتعيّنه غير خارجين عن ذاته ، وإلاّ لزم أن يكون معلولين لها ، والعلّة ما لم تكن موجودة معيّنة إستحال أن توجد غيرها ، بل عينها . فلو تعدد الواجب حصل فيه اشتراك وافتقر إلى مميّز غير عام الحقيقه ، وغير عارض لعدم خروج كل من الوجود والتعيّن عن ذاته ، بل جزئه ، فيلزم التركيب الملزوم للإمكان ، يكون ممكناً ، وقد ثبت أنّه واجب لذاته .
وأمّا المتكلمون فاحتجاجهم على عدم الإحتياج إلى العلّة لا يسلم من خدش حيث قالوا بزيادة وجود الواجب على ذاته فيكون الوجود إعتبارياً عقلياً ، وزيادته على الماهيّة ، وافتقاره إليها إنّما هو في الذهن ؛ نظراً إلى أنّ المفتقر إلى الغير إنّما يكون ممكناً ممّا له عين خارجة . . إلخ .
ولغموض هذا الكلام عدل المتكلمون عن تلك الطريقة إلى برهان التمانع المشار إليه في القرآن في غير آية ، كقوله تعالى : ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾(1) .
وقوله تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾(1) .
ومعناه أنّه لو أمكن الأمان مع تساويهما في الصفات وتساوي الممكنات بالنسبة إليهما لم يقع منهما شيء ولم يقع هذا النظام للعالم ؛ لأنّه كالشخص الواحد ؛ لأن المؤثر إمّا أن يكون كل واحد منهما ، فتجتمع علّتان على معلول واحد شخصي ، وإلاّ فيلزم الترجيح من غير المرجّح ، أي انتصار أحد الإلهين على الآخر ، مع تساويهما في الذات والصفات وهذا غير ممكن .
وبمعنى آخر أوضح أنّه لو أمكن ذلك ؛ لأمكن أن يريد أحدهم حركة زيد والآخر سكونه ، لإمكان كل منهما في نفسه ، فمع الإرادتين إمّا أن يقعا معاً ، فيجتمع الضدّان ( الحركة والسكون ) ، أوّلاً ، فيلزم عجزهما مع اجتماع الضدّين ووقوع المرادين من حيث لا يقعان أو عجز أحدهما ، وفي العجز شائبة الإحتياج ، وأيضاً يلزم الترجيح من غير المرجّح ؛ لأنهما متساويان في الكمال .
وبالجملة فجميع الأدلة العقلية لهذا المطلب قابلة للمناقشة فيها ، ولا تخلو من أخذ وردّ ، ونقض وإبرام ، وثبوت كلام في يوم لا بدّ وأن ينتقض في يوم آخر وبالعكس .
فالأولى الإعتماد على السمع ولا يلزم الدور - كما توهّمه البعض - لأنّه كلام من ثبتت إلهيته ، ولقد نفي الشريك عن نفسه فقال عزّ من قائل : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾(2) .
وما تقدم في الآيتين مع اشتمالهما على الإستدلال بما ذكرناه ، وكثير غيرهما من الآيات المنتشرة في الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . وقول علي « عليه السلام » لابنه الحسن « عليه السلام » : ( إنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله ، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ) فهو وإن كان من باب دليل الخطاب إلاّ أنه في قوّة البرهان ، وجاء في الدعاء الذي بين أيدينا قوله « عليه السلام » : ( كيف يستدل بما هو مفتقر في وجوده إليك ، عميت عين لا تراك ، وكنت عليها رقيبا ) .
والمثل والعديل كلّها ألفاظ تعطي معنى الشريك ، وقد سبق نفي الشريك عنه تبارك وتعالى بالدليل السمعي والعقلي ، وهناك الأدلّة الأخرى التي لا يقوم لها شيء ، ولا يردها شيء . على أنّ الشريك إذا أخذ بحسب المعنيين السابقين ( العديل والمثل ) فإنه الوجدان يشهد بعدم وجودهما ، وما لأوهام التي تعلق بذهن الإنسان إلاّ من تصوراته الخاطئة التي لا وجود لها إلاّ في الذهن . كما مثل لذلك علماء الميزان .
فهو تبارك وتعالى منزّه عن العديل والمثل والشريك وعن كل نقص ينافي كمال وجوده كالند خلافاً للبهشمية الذين جعلوا ذاته مساوياً لذات غيره ، وعن التركيب خلافاً للغلاة والحشوية ، وعن الحاجة للنقص ، وعن الجوهرية لا بمعنى ذات الشيء ، خلافاً لبعض النصارى ، والضد والإتحاد بمعانيهما ، خلافاً لبعض الصوفية .
الهوامش:
هوامش الصفحة الأولى (111):
(1) سورة النمل / الآية : 62 .
(2) سورة المائدة / الآية : 95 .
(3) سورة البقرة / الآية : 17 .
(4) سورة ق / الآية : 37 .
(5) سورة النساء / الآية : 134 .
هوامش الصفحة الثانية (112):
(1) سورة الأنعام / الآية : 73 .
(2) سورة الأنعام / الآية : 96 .
(3) سورة المائدة / الآية : 109 .
(4) سورة الأنعام / الآية : 103 .
هوامش الصفحة الثالثة (113):
(1) سورة الأنبياء / الآية : 22 .
هوامش الصفحة الرابعة (114):
(1) سورة المؤمنون / الآية : 91 .
(2) سورة محمد (ص) / الآية : 19 .

الردود والتعليقات (0)
أضف رداً على المقال