تجليات "الأنا" ومقامات الخطيئة: مقاربة فلسفية في مُؤَلَّف "أصول المعرفة في شرح دعاء عرفة - ج٣"
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
ماهية "الأنا" بين كثافة المادة وتجرّد الجوهر
|
يسبر الشيخ الريس أغوار النفس البشرية، متسائلاً عن حقيقة الكيان الذي يشير إليه الإنسان بلفظة "أنا". وفي استقراءٍ بالغ الدقة، يفكك أربعة عشر مذهباً متبايناً؛ بدءاً من الرؤى التي تقف عند حدود الهيكل المحسوس، أو المزاج، أو الأخلاط الأربعة، وصولاً إلى مقاربات المتكلمين والفلاسفة. ليس هذا السبر المعرفي ترفاً فكرياً، بل هو تأسيس منهجي؛ إذ يتعذر استيعاب ثقل "التكليف" الإلهي، أو إدراك حقيقة النعم، ما لم تُعرف ماهية هذا المُكلَّف وتُستكنه حقيقته. الانحياز للحكمة الإلهية: نقضُ الرؤية العضويةلا يركن المُؤَلِّف إلى مجرد سرد الأقوال، بل يُعمل أدوات النقد لترجيح مذهب "الحكماء الإلهيين والإشراقيين ومحققي المتكلمين". فهو يدحض دعاوى "الطبيعيين" الذين يحصرون النفس في القالب العضوي والصورة النوعية، ليقرر بوضوح أن "الأنا" جوهرٌ مجردٌ عن المادة، يتصل بالبدن اتصال تدبيرٍ وتصرف. بهذا التجريد، ينتشل المُؤَلِّفُ الإنسانَ من حتمية المادة العمياء، ليضعه في كنف المسؤولية الواعية التي تليق بنفخة الروح، جاعلاً الموت مجرد انقطاعٍ لهذا التعلق العرضي لا فناءً للذات. مراتب الوعي ونسبية الخطيئة: حسناتُ الأبرار سيئاتُ المقرَّبينفي أطروحته النقدية الأعمق، يعالج الشيخ الريس معضلة وجودية طالما أرقت المفكرين: "كيف، ولماذا يستغفر المعصوم؟". متجاوزاً الفهم الظاهري للذنب كخرقٍ للقانون، يطرح فهماً "نسبياً" يرتبط بمقامات القرب والوعي. فالخطأ الذي يُعذر فيه الإنسان البسيط، يُعد زلةً عظيمة لمن ارتقى في مدارج الفهم من "الأوحديين". وعندما يصل المحب إلى حالة "الوله والغرام" الإلهي، فإن مجرد التفاتة القلب إلى ضروريات الجسد كالأكل والشرب، تُعدّ في عُرفهم إعراضاً عن المحبوب، وذنباً يقتضي التوبة والاستغفار. نقدُ القوة العمياء ومركزية "العدل الإلهي"في سياق حديثه عن افتقار الإنسان المطلق، يقدم المُؤَلِّف نقداً لاذعاً للفلسفات السياسية الحديثة (كالميكيافيلية والنازية والفاشية) التي صَنّمت "القوة" المادية البحتة، وجعلتها فوق القانون ومسوغاً للبطش والافتراس. وفي مقابل هذا السقوط الأخلاقي الحضاري، يبرز المُؤَلَّف "القوة الإلهية" المقترنة دائماً بـ "العدل" والحكمة التي لا تجور؛ ليخلص إلى أن النص الدعائي ليس مجرد ابتهال عاطفي، بل هو مدونة فلسفية متكاملة، تعيد صياغة فهمنا للكون، وللخالق، ولمآلات النفس الإنسانية. |
