قبسات من شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
قال عليه السلام:
[ثُمَّ أنا يا إلهي المعترف بذنوبي فاغفرها لي، أنا الذي أخطأت، أنا الذي أغفلت، أنا الذي جهلت، أنا الذي هممت، أنا الذي سهوت، أنا الذي اعتمدت، أنا الذي تعمدت، أنا الذي وعدت، أنا الذي أخلفت، أنا الذي نكثت، أنا الذي أقررت، يا إلهي أعترف بنعمك عندي، وأبوء بذنوبي فاغفر لي]. اللغة أغفلت: غفل عنه يغفل غفلة وأغفله تركه وسهى عنه، وأغفلت الرجل أصبته غافلاً، وعلى ذلك فسّر بعضهم قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾، وسئل أبو العباس عن هذه الآية فقال: من جعلناه غافلاً، والتغافل تعمد الغفلة، والمغفل الذي لا فطنة له، ودابة غفل وناقة غفل لا توسم. قال الراجز: لا عيش إلّا كل صهباء غفل ... تناول الحوض إذا الحوض شغل هممت: همّ بالشيء يهم هماً نواه وأراده وعزم عليه وقوله ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾، كان طائفة عزموا على أن يغتالوا رسول الله - صلى الله عليه وآله - في سفر وقفوا له على طريقه، فلما بلغهم أمر بتنحيتهم عن طريقه وسمّاهم رجلاً رجلاً. وألهم ما همّ به الرجل في نفسه، وتقول أهمني هذا الأمر، والهمام الملك العظيم الهمة، والهم الشيخ الكبير البالي. سهوت: السهو نسيان الشيء والغفلة عنه، وذهاب القلب عنه إلى غيره. والسهو في الصلاة الغفلة عن شيء منها. وقال ابن الأثير: السهو في الشيء تركه من غير علم. وقال السهو عنه تركه مع العلم. ومنه قوله تعالى: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ والسهو السهل من الناس، والأمور والحوائج. وساء سهوٌ سهل وقوس سهوة مؤاتية. قال ذو الرمة - رحمه الله ـ: قليل مصاب المال إلّا سهامه ... وإلّا سجوماً سهوة في الأصابع نكثت: النكث نقض ما تعقده وتصلحه من بيعة وغيرها وفي حديث علي - عليه السلام ـ (أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين) وفي التنزيل العزيز: ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً﴾ ومن هذا نكث العهد، وهو نقضه بعد إحكامه كما تنكث خيوط الصوف المغزول بعد إبرامه. ويقال: بعير منتكث إذا كان سميناً مهزل. قال الشاعر: ومنتكث عاللت بالسوط رأسه ... وقد كفر الأمر الخروق المواميا أبوء: باء إلى الشيء رجع، وبؤت إليه. وقال الأصمعي: باء بإثمه فهو يبوء به إذا أقر به، وأبوء بذنبي أي ألتزم وأرجع وأقر. قال لبيد: أنكرت باطلها وبؤت بحقها ... عندي ولم تفخر علي كرامها والباءة والباه النكاح، وسمي النكاح باءة من المباءة؛ لأن الرجل يتبوأ من أهله أي يستمكن من أهله كما يتبوأ من داره. وفي حديث النبي - صلى الله عليه وآله -: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) أراد بالباءة النكاح والتزويج. والأصل بالباءة المنزل ثم قيل لعقد التزويج باءة؛ لأن من تزوّج امرأة بوأها من منزله، والهاء زائدة. البيان بعد أن عدّد أنواع النعم الظاهرة منها والباطنة في الفقرة السابقة واعترف بها، ثم اعترف أخيراً بالعجز عن مكافأتها، والقيام بشكرها وأداء حقها، بدأ في هذه الفقرة بعد الإعتراف في ما سبق بقصوره يتصاغر ويتضاءل أمام تلك العظمة الإلهية التي غمرته بتلك النعم التي لا حصر لها، ولكنه أخذ يعدد ما طرأ عليه من أصنافها في ذلك الوقت الضيق. وكما أخذ يكرر ضمير المخاطب في ما مضى مصحوباً بالتعظيم بكل ما في الكلمة من معنىً، أخذ يكرر في هذه الفقرة ضمير المتكلم مصحوباً بالتواضع والإعتراف بالتقصير عن أداء شكر النعم الذي هو من أهم الواجبات على الإنسان. وبمقدار ما يعطي تكرار ضمير الخطاب من تأكيد العظمة الإلهية، فإنه يعطي تكرار ضمير المتكلم بحسب القرائن الموجودة في مطاوي الكلام التواضع والإعتراف بذلك التقصير. |
