قبسات من شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام

 

اصول المعرفة في شرح دعاء عرفة 


قال عليه السلام :

( سبحانك وتعاليت عما يقول الظالمون ، علواً كبيراً ، تسبح لك السماوات السبع ، والأرض ومن فيهن ، وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمدك ، فلك الحمد والمجد ، وعلو الجد ، تعاليت ربنا يا ذا الجلال والإكرام ، والفضل والإنعام ، والأيادي الجسام ، وأنت الجواد الكريم ، الرؤوف الرحيم ) .

اللغة

​الجد : الجد العظمة ، وفي التنزيل العزيز ﴿ وانه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ﴾ قيل جده عظمته ، وقيل : غناه ، وقال مجاهد : جد ربنا جلال ربنا . وقال بعضهم : عظمة ربنا ، وهما قريبان من السواء .

​وقال إبن عباس : لو علمت الجن أن في الإنس جداً ما قالت ذلك وفي حديث الدعاء : تبارك اسمك وتعالى جدك ، أي علا جلالك وعظمتك .

​والجد الحظ ، والسعادة والغنى . وفي حديث أنس : إنه كان الرجل منا إذا حفظ البقرة وآل عمران جد فينا ، أي عظم في أعيننا ، وجل قدره فينا وصار ذا جد .

​الجلال : الجلال العظمة ، والجليل من صفات الله - تقدس وتعالى - ، وقد يوصف به الأمر العظيم ، والرجل ذو القدر الخطير . وأجله عظمه . قال أبو النجم :

الحمد لله العلي الأجلل        أعطى فلم يبخل ولم ينجل

وقوم جلة ذوو أخطار ، وجلت الناقة إذا أسنت ، وجلت الهاجنة عن الولد أي صغرت . وفي حديث الدعاء : اللهم أغفر لي ذنبي كله دقه وجله أي صغيره وكبيره .

​والجلل الشيء العظيم والصغير الهين ، وهو من الأضداد في كلام العرب ، ويقال للصغير والكبير : جلل ، وقال امرؤ القيس لما قتل أبوه :

بقتل بني أسدٍ ربهم        ألا كل شيء سواه جلل

أي يسير هين ، ومثله قال لبيد :

كل شيء ما خلا الله جلل        والفتى يسعى ويلهيه الأمل

​الجسام : الجسام بالكسر جمع جسيم . وجسم الرجل وغيره يجسم فهو جسيم ، وتجسمت الأمر إذا ركبت أجسمه وجسيمه ، وتجسم من الجسم ، والتجسم ركوب أجسم الأمر ومعظمه ، والجسم بضم الجيم والسين الأمور العظام ، والأجسم الأضخم ، قال عامر بن الطفيل :

لقد علم الحي من عامر        بأن لنا الذروة الأجسما

البيان

​إن من صفات الداعي التي ينبغي أن يكون عليها في حالة دعائه وتملقه وتقديم حاجاته بين يدي ربه أن يثني عليه أبلغ الثناء ، ويذكره بأحسن الذكر ، ويصفه بالصفات التي يتفرد بها ولا يشاركه فيها أحد من مخلوقاته .

​يقول - عليه السلام - ( سبحانك وتعاليت عما يقول الظالمون علواً كبيراً ) ولقد مر معنى كلمة ( سبحان ) في كثير من مناسبات الكلام ، وقلنا بأنها تعني التنزيه ، وقد استشهدنا بقول الشاعر :

سبحانه ثم سبحاناً يعود له        وقبلنا سبح الجودي والجمد

​أما كلمة ( تعاليت ) فهي تعطي ما يقارب معنى ( سبحان ) وكلاهما تعني بصفة عامة الترفع والتنزه عن كل كلام لا يليق بالحضرة المقدسة . وهذا التنزيه هو تنزيه الخالق عن صفات المخلوق . فقوله - عليه السلام - ( علواً كبيرا ) يشعر بالفارق ما بينهما .

​والذي يقوله الظالمون هو الشرك ؛ لأن المشركين هم الظالمون إستناداً إلى قوله - تعالى - في سورة لقمان ﴿ وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ﴾ . وفي عبارة الدعاء تلويح للآية الشريفة لفظاً ومعنى وهي قوله - تعالى - ﴿ سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا ﴾ قال الطوسي في التبيان : سبحانه أي تنزيهاً له - تعالى - عما يقولون ، أي عن قولهم . ويجوز أن يكون المراد عن الذي يقولونه من الأقوال الشنيعة فيه بأن معه آلهة . ﴿ وعلواً كبيرا ﴾ إنما لم يقل تعالياً ؛ لأنه وضع مصدراً مكان مصدر نحو قوله - تعالى - ﴿ وتبتل إليه تبتيلا ﴾ ومعنى ﴿ تعالى ﴾ أي صفاته في أعلى المراتب فإنه لا مساوي له فيها ؛ لأنه قادر ولا أحد أقدر منه ، وعالم ولا احد أعلم منه ولا مساوي له في ذلك .

​واستناداً إلى شرح الآية الكريمة : - كما أورده الشيخ في تفسيره - إن الظالمين يقولون مالا يعلمون ، بل يقولون خلاف ما يعلمون ، وهذه ليست من صفات العقلاء ، لأن القول بغير علم هو تهريج ليس له معنى ، لأن قولهم لله شريك لا يستند إلى دليل مادي ولا عقلي ، والذي يقوله الظالمون أي المشركون - كما فسرت بذلك الآيات المذكورة ، وكما ورد عن أبي علي أن المقصود بالظالمين هم المشركون - قول تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً . فتعاليه سبحانه عن قولهم بأن له شريكاً في الملك يعني تنزيهه عن الشريك ؛ لأن الشركاء يبغي بعضهم على بعض ، ويظلم بذلك بعضهم على بعض وليس هو كذلك ، وربما ألمح الظلم الذي تشير إليه الآية في سورة لقمان بذلك .

​وربما راود الإنسان معنىً آخر لهذه العبارة ، وهو أن الظالمين الذين يقولون قولاً خاطئاً يظلمون أنفسهم بذلك القول ؛ لأنه يتسبب في ورودهم العذاب الذي من جملة أنواعه النار التي تطلع على الأفئدة ، ومعنىً آخر ، وهو أنهم يظلمون الناس بتضليلهم وإغوائهم ليبعدوهم ويصدوهم عن طريق الهدى .

​وعلى كل حال فإن الظالمين هم الذين يقولون بخلاف ما يقوله العقلاء ، بل ويتنكرون لوجدانهم .


مقالات مشابهة