قراءة تحليلية في نقد الشيخ عباس الريس لنظرية الفلاسفة حول حقيقة الحياة
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
تأطير الفلاسفة لشرط البنية والمادية البيئية
يرصد الشيخ عباس الريس في مقاربته التحليلية المرتكزات الميتافيزيقية التي انطلقت منها المدرسة الفلسفية وتيار المعتزلة في مقاربة مفهوم «الحياة»، حيث جنح هذا الاتجاه إلى تقييد فيضان الوجود باشتراط «بيئة مخصوصة» واستلزام تركيب عضوي وفيزيولوجي محدد لا تقبل المادة حلول الحياة دونه؛ موضحاً ارتهان هذا التصور الفلسفي لحتمية القوالب الهيكلية المعقدة كشرط أنطولوجي لازم لقيام الحياة وسريانها في الأعيان.
انقسام الفكر الغربي واضطراب كنه الماهية
يُبرز الباحث المأزق الإبستمولوجي الذي كابده الفكر الفلسفي تاريخياً حيال عجز العقل المجرد عن تعيين لحظة الانبثاق الجوهري وتولّد الحياة من المادة الصامتة؛ وهو العجز الذي تجسد في انشطار فلاسفة أوروبا إلى اتجاهين متمايزين: تيار مادي آلي يختزل الوجود الحي في مجرد مظاهر لقوى الطبيعة تنحل وتتلاشى كلياً بزوال التراكيب الذاتية للمادة، وتيار فلسفي آخر أدرك قصور النواميس الصماء فاضطر إلى الإقرار بقوة أصلية ومستقلة تدير منظومة الإدراك والحركة.
تفكيك النزعة المادية وإثبات الأصل الروحي
ينتقل الشيخ الريس إلى نقد الاختزالية المادية عبر تفكيك عجزها البنيوي عن تعليل الظواهر الإنسانية الفائقة؛ إذ يرى أن الملكات الإدراكية المتعالية، والمواهب الروحية الجليلة، والإبداع القيمي، شواهد وجدانية وبرهانية تسقط دعوى حصر الوعي في تفاعلات الكيمياء واضطراب العناصر؛ مقراً بالدليل العقلي والمحسوس وجود «قوى روحانية مستقلة عن المادة» تنتمي إلى أصل كوني أسمى وتخضع لنواميس وجودية تعلو على محددات العالم الحسي الفاني.
نقض حصر البيئة بطلاقة القدرة والفيض المباشر
يختم المؤلف أطروحته بنقض دعوى الاشتراط البيئي عبر الاحتكام إلى شمولية القدرة الإلهية المطلقة التي لا ترتهن للسنن الإمكانية؛ حيث يقرر جواز إفاضة الحياة والعقل في أدق البسائط المتمثلة في «الجزء الذي لا يتجزأ» خلافاً لضوابط الفلاسفة والمعتزلة؛ ليخلص التحليل إلى أن الحياة ليست إفرازاً حتمياً لتراكيب المادة ومزاجها، بل هي فيض وجودي ونفحة ربانية متحررة من قيود الطبيعة ومحددات الأوساط المادية.
