العبودية ظاهرة إجتماعية طبيعية

الشيخ عباس الريس 



 

قبل الخوض في هذا الموضوع هناك أسئلة تلح بتواردها على ذاكرة الإنسان ، نطرح بعضاً منها لكي يتم بها إستشراق المعنى وتشخيصه بصورة أفضل .

​ما هي العبودية ؟

كيف ظهرت في المجتمع الإنساني ؟

هل هي ظاهرة خلقت مع الإنسان ، أم هي طارئة حلت بالمجتمعات الإنسانية خلفتها ظروف معينة ؟

ما هي أشكال العبودية ؟

ما هي النظرة العامة لظاهرة العبودية ؟

وأخيراً ما هي النظرة الإسلامية لظاهرة العبودية ، وكيف حاول الإسلام أن يقلص من هذه الظاهرة ؟

ثم ما هو موقف المجتمعات المعاصرة من هذه الظاهرة ؟


العبودية بمعناها الأولي هي تسخير إنسان لآخر بدون عوض والعبد هو ذلك الإنسان الذي سخر لخدمة غيره ، وإطاعة أوامره ونواهيه بصورة مطلقة بحيث لا يستطيع إبداء أي رفض أو معارضة . كذلك .

​وهناك أنواع من العبودية متعددة ، منها ما يكون بفعل الظروف الإجتماعية ، ومنها ما يكون بفعل الطبيعة ، ومنها ما يكون بمحض الفطرة .

​عندما خلق الله الإنسان ليسلمه الأمانة والمسؤولية في الأرض أكرمه ونعمه ولم يخلقه عبداً بل حراً ذا إرادة تتجسد فيها طبيعة الخير . ولكن عندما تمرد هذا الإنسان على طبيعته الخيرة ومسؤوليته كسيد كريم في هذا الكون أصبح عبداً لعناصر شتى وانعطفت الإنسانية عبر تاريخها الطويل منذ أن ظهرت العبودية لغير الله وتنكرت البشرية لنعمه الظاهرة والباطنة .

​ويمكننا بعد هذا القول ـ بالنظر إلى الغرائز الإنسانية من ميول ونوازع ـ تصنيف كثير من الأقسام في أرقام متعددة .

​١ ـ العبودية لله ـ سبحانه وتعالى ـ وهي العبودية الحقيقية ، ولكنها هي أصل الحرية الواسعة التي لا تعترف إلا بعبودية لجهة واحدة ، وهي أيضاً تتمشى مع الفطرة التي أرادها الله للناس .

​٢ ـ وعبودية الشهوات والغرائز المشوشة بما في ذلك من نزوات ورغبات ، وأمام هذه الغرائز يظهر ضعف الإنسان أو قدرته على كبح جماح عبادة الشهوة ، وربما أطلق عليها أيضاً عبودية شهوانية أو عبودية الشهوة وبها يتحول الإنسان إلى مخلوق مشوش ويكون أسوء حال من الحيوان لأنه غلب شهوته على عقله وإرادته .

​٣ ـ عبودية الإنسان للإنسان وذلك بحسب ظروف معينة وهذه الحالة تأتي نتيجة للتخلف العقلي والطمع الدنيوي ـ كما حصل في عهد فرعون ـ إذ جعل نفسه إلهاً واتبعه كثيرون وعبدوه ، وهذا الشكل من العبودية لا عذر للإنسان فيها وقد أشار القرآن إلى هذه الظاهرة بالخصوص من ظواهر العبودية في قوله ـ تعالى ـ : ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً﴾ (١) .

​٤ ـ عبودية الإنسان لأفكاره بحسب ما يمليه مزاجه وهنا تظهر النظريات الكثيرة المخالفة للفكر الإنساني العام وفطرته ، وللسنن الكونية ، فتراه يعبدها ولا يحيد عنها ويحولها إلى عقيدة لا تقبل الجدل والتغيير بعد أن كانت محض عقدة كما هو حاصل بالفعل في النظريات العلمية والتاريخية والفلسفية ؛ فلقد تأثرت بها كثير من المجتمعات واحتضنتها وعبدتها ، كالدارونية والماركسية والوجودية والبراغماتية ( المذهب العملي ) ... وكثير غيرها من الأفكار التي صيغت في شكل نظريات خالفت الفطرة الإنسانية وهذا ما اصطلحوا عليه بالعبودية الفكرية ، أو عبودية الفكر السلبي .

​وهناك أنواع شتى من العبودية واكبت الإنسان منذ نشأته على وجه الأرض ، وقد انتشرت هذه الظاهرة بشكل مروع في العهد اليوناني والبيزنطي والإمبراطورية الفارسية والرومانية ، خصوصاً إستعباد المرأة التي اعتبرها الفكر الغربي حشرة ضارة ينبغي التخلص منها . ولما قال الإسلام قولته فيها وأنزلها في المكان السامي من المجتمع الإسلامي أخذوا ينعقون ناسين أو متناسين ما حل بالمرأة ، فينادون بأن الإسلام قد هضمها حقها . ونرجىء الحديث عن هذا الموضوع إلى مكانه المناسب .

​وكم رفعت من الشعارات والنظريات الإلحادية الوضعية لأزمة العبودية المنتشرة في المجتمعات ، فالماركسية اعتبرت العبودية وطبقة العبيد ظاهرة ضرورية لإستكمال مفردات الصراع الإجتماعي وآلياته ، فظهور العبيد كطبقة صاحبت الطبقة الإقطاعية وطبقة الإقطاع وملاك الأراضي وتسخير العبيد الأقنان في زراعتها والعمل بها شيء ضروري لإستمرار حياة الإنسان .

​فالطبقة الإقطاعية عند الماركسية ضرورية في تطور التاريخ ، وحتمية الصراع الإجتماعي الذي يدور في فلك النشاطات الإقتصادية وجعل الإقتصاد والعامل الإقتصادي سبباً وحيداً في تطور الصراع وحتمية إنتهائه بانتصار الشيوعية كطبقة نهائية تلغي جميع الطبقات الأخرى .

​أما الإسلام فقد حاول تصفية هذه الظاهرة بأسلوب مهذب مع مراعاة الشعور الإنساني ، والنزعات الإنسانية المتمثلة في حب السيطرة على الغير .

​ولقد رغب الإسلام في عتق الرقاب واعتبره عبادة من العبادات التي تنضم إلى مصاف العبادات الأخرى ، فقد فتح له أبواباً وسبب له أسباباً لكي يقلل من عدد العبيد والإماء ، حفظاً لكرامة الإنسان التي اعتبرها الإسلام من أهم أهدافه النبيلة .

​وهناك الكفارات المتعددة إضافة إلى هذا الترغيب فرضها الشارع المقدس بصورة إلزامية مثل كفارة الظهار ، وكفارة من أفطر يوماً من شهر رمضان ، ومن أفطر يوماً في قضائه وغير ذلك من الأسباب التي تؤدي إلى عتق الرقاب .

​ثم طرح الإسلام أيضاً موضوع المكاتبة المشروطة والمطلقة والتدبير الذي ينعتق به العبد بعد وفاة مولاه .

​ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) سورة النساء ، آية : ٩٧ .


مقالات مشابهة