الخفاء والظهور
![]() |
| قبر الشيخ عباس الريس |
لا زال في هذه الفقرة يواصل ـ عليه السلام ـ وصف الباري بما تفرد به من صفات دون غيره من الموجودات ، وقد ذكرنا في شرح الفقرة السابقة أنه ـ عليه السلام ـ وصفه بالدوام في رحمته ، فعدل عن كلمة الرحمة إلى كلمة ( الرحمانية ) التي تشعر باستمرار الرحمة ودوامها ، وههنا وصفه بالإحتجاب في سرادقات عرشه عن أن تدركه الأبصار .
وإذا رجعنا إلى التفسيرات الواردة في البحث السابق حول العرش ، والمعاني التي طرحها العلماء ضمن الوجوه المحتملة لمعنى العرش عرفنا المقصود من هذا الإحتجاب في سرادقات العرش .
ونضيف هنا شيئاً آخر فنقول : إن الإحتجاب المذكور لا يفيد المكانية ، كما أن ( في ) لا تدل بصورة جازمة على معنى الظرفية بعد التأمل في ما سبق من المعاني ، وإنما ذلك أعم وأشمل ، فالاحتجاب هنا يعني عدم إدراك البصر لذاته المقدسه .
وقد ورد في معنى السرادق إضافة إلى ما تقدم في بحث اللغة أن السرادق حائط من نار يحيط بالكفار عند دخولهم النار إشارة إلى قوله تعالى : ﴿ ... إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً ﴾ .
كما ورد عن بن عباس ، وقيل هو دخان النار ولهيبها يصل إليهم قبل وصولهم إليها ، وهو الذي في قوله تعالى : ﴿ إلى ظل ذي ثلاث شعب ﴾ عن قتادة ، وقيل أراد أن النار أحاطت بهم من جميع جوانبهم فشبه ذلك في السرداق عن أبي مسلم . وإذا أمعنا النظر في معنى الآية وقارنا بينها وبين ما ورد في عبارة الدعاء أدركنا أن المعنى واحد وإن اختلفت المناسبة في الإستعمال .
والمعنى باختصار هو أن الله تبارك وتعالى قد احتجب عن خلقه بحواجب مختلفة ، فمنها الساتر الذي يحجب الرؤية ـ وإن كان استعمال ذلك مجازاً ـ ، ومرة أخرى بشدة الظهور فلا تقوى العين أو الجوارح على إدراك نوره ، ومثاله كالشمس الساطعة القوية يحاول الإنسان أن يرى ما في وسطها ، وعبثاً يحاول مع تسامح في التعبير وإلى هذا أشار قوله تعالى ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ﴾ ورد في تفسيرها أي لا تراه العيون ؛ لأن الإدراك متى قرن بالبصر لا يفهم منه إلا الرؤية ، كما أنه إذا قرن بآلة السمع فقيل أدركت بأذني لم يفهم منه إلا السماع ، وكذلك إذا أضيف إلى كل واحد من الحواس أفاد ما تلده الحاسة آلة فيه . فقولهم أدركته بفمي معناه : وجدت طعمه ، وأدركته بأنفي معناه وجدت رائحته . ﴿ وهو يدرك الأبصار ﴾ تقديره لا تدركه ذوو الأبصار وهو يدرك ذوي الأبصار ، أي المبصرين ، ومعناه : أنه يرى ولا يُرى ، وبهذا خالف سبحانه جميع الموجودات لأن منها ما يرى ويُرى كالأحياء ، ومنها ما يُرى ولا يَرى كالجمادات والأعراض المدركة ، ومنها ما لا يُرى ولا يَرى كالأعراض غير المدركة .
فالله تعالى خالف جميعها وتفرد لأن يَرى ولا يُرى ، وتمدح في الآية بمجموع الأمرين ، كما تمدح في آية أخرى بقوله : ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ .
وروى العياشي بالاسناد المتصل أن الفضل ابن سهل ذا الرياستين سأل أبا الحسن علي بن موسى الرضا ـ عليه السلام ـ فقال : أخبرني عما اختلف الناس فيه من الرؤية ، فقال من وصف الله بخلاف ما وصف به نفسه ، فقال أعظم الفرية على الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهذه الأبصار ليست هي الأعين ، إنما هي الأبصار التي في القلوب ، لا يقع عليه الأوهام ولا يدرك كيف هو .
( وهو اللطيف ) قيل في معناه وجوه :
- أحدهما : أنه اللاطف بعباده بسبوغ الأنعام ، غير أنه عدل عن وزن فاعل إلى فعيل للمبالغة .
- الثاني : إن معناه لطيف التدبير إلا أنه حذف لدلالة الكلام عليه .
- الثالث : إن اللطيف الذي إذا دعوته لباك ، وإن قصدته آواك ، وإن أحببته أدناك ، وإن أطعته كافاك ، وإن عصيته عافاك ، وإن أعرضت عنه دعاك ، وإن أقبلت إليه هداك .
- الخامس : اللطيف من يكافي الوافي ، ويعفو عن الجافي .
- السادس : اللطيف من يعز المفتخر به ويغني المفتقر إليه .
- السابع : اللطيف من يكون عطاؤه خيرة ، ومنعه وخيرة .
ومن خلال ما ورد من الوجوه في تفسير الآية نستطيع أن ندرك معنى الإحتجاب أيضاً . على أن هذه المعاني التي سيقت في هذا الغرض كلها شاهدة على أنه سبحانه احتجب عن عباده لأن عباده لا يجانسونه في الوجود فهو يختلف عنهم إختلاف الخالق عن المخلوق . غير أن هذا الإحتجاب وإن أخفى إدراكهم له حتى بالعقول ، لكنه بمقدار ما احتجب عنهم تجلى لهم لكمال البهاء ، وذلك قوله ـ عليه السلام ـ : ( يا من تجلى بكمال بهائه فتحققت عظمته الإستواء ) وهذا الأسلوب المنسجم مع بعضه البعض إذا تأملت فيه أخذك العجب من كيفية الربط بين عباراته ، فهو مع كونه لا يدرك بالبصر ، إلا أنه يتجلى بكمال بهائه ، وكمال البهاء مرة يكون للظهور بجلاء ووضوح ومعنى ذلك مثول الأدلة والبراهين أمام الإنسان على وجوده سبحانه وعظمته وحكمته ، وهذه البراهين تظهر لا مجرد ظهور ، وتمثل لا مجرد مثول ، ولكنها تبدو في تناسق واعتدال بحيث يرتاح الناظر من هيئتها ودلالتها على المطلوب فلا يعاني وحشة ولا اشمئزازاً ولكنه يريد أكثر مما رأى ويرغب في معرفة أكثر مما عرف ؛ لأن عملية الجذب تجره إلى ذلك ، وهذا معنى كمال البهاء ، أو كما الجمال ، أو كمال النور ـ كما جاء معنى ذلك في بحث اللغة .
ومرة أخرى يكون التجلي بكمال البهاء لدى القلوب المتعطشة لمعرفة الله سبحانه ، فإذا قلنا أن البهاء هو جمال باعثه النور فإن القلوب أولى بهذا الجمال وأولى بهذه الإنارة ، لأنه يشمل البصير والمكفوف ، ويعم البصيرة والبصر ؛ لأن هذا النور الذي أنتج البهاء ليس مقصوراً على ... (كلمة محجوبة بسبب أيقونة التصفح في الصورة) تفعل وتنتعش له جميع جوارح الإنسان العاملة .
على أن ما تناولته العبارة من كلا المعنيين وارد كل الورود ، صحيح كل الصحة ، جميل كل الجمال ، ثابت كل الثبوت ، بناءً على ما ورد من تحليل وتعليل .
