قبسات من شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
قال عليه السلام :
[ثُمَّ إِذْ خَلَقْتَنِي مِنْ حُرِّ الثَّرَى ، لَمْ تَرْضَ لِي يَا إِلَهِي بِنِعْمَةٍ دُونَ أُخْرَى ، وَرَزَقْتَنِي مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَاشِ ، وَصُنُوفِ الرِّيَاشِ ، بِمَنِّكَ الْعَظِيمِ عَلَيَّ ، وَإِحْسَانِكَ الْقَدِيمِ إِلَيَّ] .
اللغة
حر الثرى : قال ابن الإعرابي الحرة الرجلاء الصلبة الشديدة ، وقال غيره : هي التي أعلاها سود ، وأسفلها بيض . وقال أبو عمرو تكون الحرة مستديرة ، وأرض حرّة رملية لينة . وبعير حرى يرعى في الحرة .
المعاش : المعاش والمعيش والمعيشة ما يعاش به ، وجمع المعيشة معايش على غير قياس ، وقد قرىء بها قوله تعالى : ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ .
وقال المؤرج : هي المعيشة ، والمتعيش ذو البلغة من العيش ، يقال : إنهم ليتعيشون إذا كانت لهم بلغة من العيش . وعيش آل فلان الخبز ، والحب ، وعيشهم التمر . وربما سموا الخبز عيشاً ، وفي المثل : (أنت مرة عيش ، ومرة جيش) أي تنفع مرة ، وتضر أخرى .
الرياش : الرياش والريش الخصب ، والمعاش والمال والأثاث واللباس الحسن الفاخر . وجاء في القرآن : ﴿وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ .
والريش شعر الأذن خاصة ، ورجلاً أريش كثير شعر الأذن ، وراشه الله ، يريشه ريشاً ، نعشه وتريش الرجل أصاب خيراً ، وحسنت حاله .
قال الشاعر :
فرشني بخير طالما قد بريتني *** وخير الموالي من يريش، ولا يبرى
البيان
خلق الله الإنسان من التراب من أعلاه ؛ لأن أعالي الأشياء أشرفها ، فالإنسان أعلاه رأسه ، وهو مركب مع جسمه تركيباً حقيقياً ، وفيه معظم الحواس ، بل كلها ، وفيه سلطانها أيضاً وهو العقل . وقد تقدم بحث فيه إسهاب حول موضوع التراب .
ونضيف هنا ، أن خلق الإنسان بهذه الكيفية ؛ لأن الله يريد به خيراً ، فشدّه إلى الأرض شداً وثيقاً ، فمنها يأكل ، ومنها يشرب ، ومنها يلبس ، ومنها يسكن ، ومنها يتمتع بأنواع المعاش وأصناف الرياش ، فهي مصدر كل خير ، وراحة وطمأنينة .
ولمّا أفاض الله الوجود على الإنسان أباح له الكثير من النعم ونهاه عن بعضها لسبب أو لآخر . إلاّ أن الإنسان بدافع التطفل مرة ، وبدافع التمرد مرة ، وبدافع حب الاستطلاع مرة ، وبدافع الجشع والطمع مرة أخرى ، لم يقتنع بما قسمه الله إليه وأباحه له لمصلحة اقتضتها الإباحة ، أو لمضرة اقتضاها النهي .
وحرص الإنسان كل الحرص منذ اليوم الأول الذي خلق فيه على أن يأكل من شجرة واحدة كان الله قد نهاه عن الأكل منها بعد أن أباح له كل ما كان موجوداً في الجنة ، فعاد عليه حرصه إلى أن أحرم جميع ما في الجنة من خير وبركة ونعيم ، قال تعالى : ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ .
وبهذا الإعتبار يمكننا أن نقول : إن تركيب الإنسان العضوي يختلف عن غيره من سائر المخلوقات الحيوانية والنباتية والجمادية ؛ وذلك لأن العناصر التي يتركب منها جسم الإنسان تختلف عن غيره . وهذه المواد تتعدد أيضاً تبعاً لفردية الجسم إنها تشيّد صروحاً وأنسجةً وأخلاطاً وأعضاء مؤقتة لا تفتأ تتداعى ويعاد تركيبها إبان الحياة كلها ، وحينما تموت فإنها تعود ثانية إلى عالم الجماد .
وهناك مركبات كيميائية معينة تتخذ شكل صفاتنا الفردية ، والجنسية فتصبح ذاتنا حقاً ، بينما يعبر بعض هذه المواد الجسد ، وهي تساهم في الإبقاء على أنسجة الجسم ، دون أن تأخذ أياً من صفاتها ، إنها تتدفق في الجسم تدفق النهر الواسع ، وتأخذ الخلايا منها المواد اللازمة لنموها ، وصيانتها ، واتفاقها في النشاط .
وإن لجلال الله وهيبته إجراء قوي في نشأة الإنسان حتى في تركيبه العضوي ، ويخالط ذلك الأرواح كما يخالط الأجسام ، ويذوب فيها كما يذوب الأكسجين أو النيتروجين المستمد من الطعام في أنسجتنا .
إن النعم التي أفاضها الباري على الإنسان لا تعد ولا تحصى ، وهي جديرة بالذكر والتعداد ، ولكنها تمتنع على المحصين من أن يحصوها ـ كما صرح بذلك التنزيل العزيز ـ في قوله تعالى : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
الهوامش:
- سورة الحجر / الآية : ٢٠ .
- سورة الأعراف / الآية : ٢٦ .
- سورة البقرة / الآية : ٣٥ و ٣٦ .
- سورة النحل / الآية : ١٨ .
