قبسات من شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
قال عليه السلام : [ سُبْحَانَكَ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ ، تُجِيبُ دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّ إِذَا دَعَاكَ ، وَتَكْشِفُ السُّوءَ ، وَتُغِيثُ الْمَكْرُوبَ ، وَتَشْفِي السَّقِيمَ ، وَتُغْنِي الْفَقِيرَ ، وَتَجْبُرُ الْكَسِيرَ ، وَتَرْحَمُ الصَّغِيرَ ، وَتُعِينُ الْكَبِيرَ ، وَلَيْسَ دُونَكَ ظَهِيرٌ ، وَلا فَوْقَكَ قَدِيرٌ ، وَأَنْتَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ، يَا مُطْلِقَ الْمُكَبَّلِ الأسِيرِ ، يَا رَازِقَ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ ، يَا عِصْمَةَ الْخَائِفِ الْمُسْتَجِيرِ ، يَا مَنْ لا شَرِيكَ لَهُ وَلا وَزِيرَ ] .
اللُّغَة
المضطر : الاضطرار الإحتياج إلى الشيء ، وقد اضطره إليه أمر ، والإسم الضرة . قال دريد بن الصمة : وتخرج منه ضرة القوم مصدماً وطول السرى دري عضب مهند
ورجل ذو ضارورة وضرورة أي ذو حاجة ، وقد اضطر إلى الشيء أي ألجىء إليه ومنه قوله ـ تعالى ـ : ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ ، وقوله ـ تعالى ـ : ﴿فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله لغفور رحيم﴾ .
تغيث : الغيث المطر والكلأ ، وقيل : الأصل المطر ، وغاث الغيث الأرض أصابها . ويقال : غاثهم الله وأصابهم غيث ، وغاث الله البلاد يغيثها غيثاً إذا أنزل بها الغيث ، ومن الإغاثة بمعنى الإعانة ، والجمع أغياث وغيوث ، قال المخبل السعدي : لها لجب حول الحياض كأنه تجاوب أغياث لهن هزيم
ومنه قوله ـ تعالى ـ : ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته﴾ .
المكروب : الكرب بوزن الضرب ، الحزن والغم الذي يأخذ بالنفس وجمعه كروب ، وكربه الأمر والغم يكربه كرباً اشتد عليه فهو مكروب وكريب ، والإسم الكربة ، وكل شيء دنا فقد كرب ؛ ولهذا تستعمل من جملة أفعال المقاربة . وكربت الشمس للمغيب دنت ، وكربت الجارية أوشكت أن تدرك ، وكرب النخل أصول السعف واحدتها كربه .
السقيم : السقام والسقم بالضم والسكون والسقم بالكسر والفتح : المرض مثل حزن وحزن بالضم والسكون ثم بفتحتين قال سيبويه : والجمع سقام جاؤوا ، وأسقمه الداء فهو سقيم . وقال إبراهيم ـ عليه السلام ـ في ما قصه الله في كتابه : ﴿إني سقيم﴾ .
تجبر : جبرت العظم جبراً ، وجبر العظم بنفسه جبوراً أي انجبر ، ويقال جبر الله فلاناً فاجتبر أي سدّ مفاقره ، قال عمرو ابن كلثوم : من عال منّا بعدها فلا انجبر ولا سقى الماء ولا راء الشجر
وأجبرني أي أغناني ، من جبر الله مصيبته أي ردّ عليه ما ذهب منه أو عوضه عنه ، وأصله من جبر الكسر . والجبائر العيدان التي تشدها على العظم لتجبره بها على استواء ، واحدتها جبارة وجبيرة ، والمجبر الذي يجبر العظام المكسورة .
ظهير : الظهير العون ، الواحد والجمع في ذلك سواء وإنما لم يجمع ظهير لأن فعيلاً وفعولاً قد يستوي فيهما المذكر والمؤنث والجمع قال ـ تعالى ـ : ﴿وكان الكافر على ربّه ظهيراً﴾ ، يعني بالكافر الجنس ولذلك أفرد وفيه أيضاً : ﴿والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ وهذا ما حكاه سيبويه من قولهم للجماعة : هم صديق وهم فريق، والظهير المعين . وقال الفراء في الآية يريد أعواناً فقال : ظهير ولم يقل : ظهراء ومن هذا الباب قوله ـ تعالى ـ: ﴿وحسن أولئك رفيقاً﴾ .
المكبل : الكبل قيد ضخم ، ويقال : كبلت الأسير ( بالتخفيف ) وكبلته ( بالتشديد ) إذا قيدته ، فهو مكبول ومكبل . والمكبول المحبوس ، قال الشاعر : إذا كنت في دار يهينك أهلها ولم تك مكبولاً بها فتحول
والمكابلة تأخير الدين ، والمكابلة أيضاً أن تباع الدار إلى جنب دارك وأنت تريدها ومحتاج إلى شرائها ، فتؤخر ذلك حتى يستوجبها المشتري ، حتى تأخذها بالشفعة .
وزير : الوزر الملجأ ، وأصل الوزر الجبل المنيع ، وكل معقل وزر . وفي التنزيل العزيز : ﴿كلّا لا وزر﴾ . قال أبو إسحاق : الوزر في كلام العرب الجبل الذي يلتجأ إليه ، ومعنى الآية : لا شيء يعتصم فيه من أمر الله . والوزر الحمل الثقيل . والوزر الذنب لثقله قال ـ تعالى ـ : ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون﴾ . وأوزار الحرب الأثقال والآلات والسلاح قال الأعشى : وأعددت للحرب أوزارها رماحاً طوالاً وخيلاً ذكوراً
وجاء في الكتاب العزيز : ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ .
والوزير ملجأ الملك الذي يحمل ثقله ، ويعينه برأيه . ووازره على الأمر أعانه وقوّاه ، وقيل لوزير السلطان ذلك لأنه يزر عن السلطان أثقال ما أسند إليه من تدبير المملكة . وقال الجوهري الوزير المؤازر لأنه يحمل عنه وزره أي ثقله .
البيان
في هذه الفقرة تنزيه للخالق عن كل ما لا يليق به ـ تعالى ـ وقوله ـ عليه السلام ـ : ( سبحانك ) تنزيه له عن كل صفة لا تليق به ، ثم أردف بعد ذلك بتنزيهه ـ سبحانه ـ عن الشركاء وتخصيصه بالألوهية دون غيره ، وهذه الكلمة هي أفضل ما يقوله العبد لمولاه ، وهي أفضل صفة يحبها الله ـ سبحانه ـ . والعبارة بمجموعها تنزيه للصفات والذات في آن واحد . أما تنزيه الصفات فهو نفي كل صفة لا تلتئم مع عز جلاله وكماله . وأما تنزيه الذات فهو نفي الشريك عنها . وقد مرّ كثير من هذا المعنى ـ في ما سبق من أبحاث الكتاب ـ في بحث الصفات والتوحيد بشكل مسهب .
الأرقام والهوامش:
- (١) سورة البقرة ، آية : ١٧٣ .
- (٢) سورة المائدة ، آية : ٣ .
- (٣) سورة الشورى، آية : ٢٨ .
- (٤) سورة الصافات ، آية : ٢٩ .
- (٥) سورة القيامة ، آية : ١١ .
- (٦) سورة التحريم ، آية : ٤ .
- (٧) سورة النساء ، آية : ٦٩ .
- (٨) سورة القيامة ، آية : ١١ .
- (٩) سورة الأنعام ، آية : ٣١ .
- (١٠) سورة محمد ، آية : ٤ .
- أرقام الصفحات: ١٥٥، ١٥٧، ١٥٨.
