ما هو الذل ومتى يكون
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
ثم قال ـ عليه السلام ـ : ( وذليلاً فأعزني ) والذل بمفهومه الخاص هو الخضوع لمن لا يستحق ذلك ، والذل الذي ذكره في العبارة هو من النوع الخاص الذي يكون به الإنسان ذليلاً . أما الذل في مفهومه العام فهو يشمل هذا وغيره ، بمعنى أنه قد يأتي نوع من الذل ولكنه لا يكون ذلاً ، وقد تعرّض القرآن الكريم لهذا النوع من الذل فقال ـ سبحانه ـ : ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ . قال السيد الطباطبائي في الميزان : خفض الجناح كناية عن المبالغة في التواضع والخضوع قولاً وفعلاً ، مأخوذ من خفض فرخ الطائر جناحه ليستعطف أُمه لتغذيته ، ولذا قيده بالذل ، فهو دأب أفراخ الطيور إذا أرادت الغذاء من أُمهاتها ، فالمعنى واجههما في معاشرتك ومحاورتك مواجهة يلوح منها تواضعك وخضوعك لهما ، وتذللك قبالهما رحمة بهما .
هذا إن كان الذل بمعنى المسكنة ، وإن كان بمعنى المطاوعة فهو مأخوذ من خفض الطائر جناحه ليجمع تحته أفراخه رحمة بها وحفظاً لها . وعليه يمكن القول بأن التواضع والطاعة للوالدين ليسا من الذل ، بل هما من العز المحض ؛ لأن الله قد أمر بذلك وطاعته عز ، وكذلك الذل والخضوع والخشوع لله ـ سبحانه ـ ليس ذلاً وإنما هو عز محض لأنه طاعة ، فهو وإن سمّاه في الآية ذلاً إلّا أن هذا الذل نتيجته عز ، لأن الإنسان إذا أطاع أبويه فمن البديهي أن يحبه أبواه ، وإذا كان محبوباً عند الأبوين صار عزيزاً بالضرورة ، وأحبه الله لأنه أطاعه في أمره بطاعتهما . إذاً فمعنى قوله ـ عليه السلام ـ : ( وذليلاً فأعزني ) يعني بلسان حال الناس بعيداً عن الطاعة فقربني إليها ، وهذا ما ينطبق تمام الإنطباق على ما جاء عنهم ـ عليه السلام ـ : ( من أراد عزاً بلا عشيرة ، وهيبة بلا سلطان فليخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعته ) . |
