الإستدلال عليه سبحانه

 

الشيخ عباس الريس 


ثم يقول - عليه السلام - ( وبك أستدل عليك فاهدني بنورك إليك ) والإستدلال عليه - سبحانه - يأخذ ناحيتين مهمتين :

​الناحية الأولى : الإستدلال على وجوده - سبحانه - وهذا من أهم ما بحثه علماء الكلام في هذا الموضوع .

​قال في شرح التجريد : الدليل على وجوده أن نقول : هنا موجود بالضرورة . فان كان واجباً فهو المطلوب ، وان كان ممكناً افتقر إلى مؤثر موجود بالضرورة، فذلك المؤثر إن كان واجباً فهو المطلوب ، وان كان ممكناً افتقر إلى مؤثر ، فان كان واجباً فالمطلوب ، وان كان ممكناً تسلسل أو دار ، وقد تقدم بطلانهما . وهذا برهان قاطع أشار إليه في الكتاب العزيز بقوله : ( أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) وهو استدلال لمي ، والمتكلمون سلكوا طريقاً آخر فقالوا : العالم حادث فلا بد له من محدث ، فلو كان محدثا تسلسل أو دار ، وإن كان قديماً ثبت المطلوب ؛ لأن القدم يستلزم الوجوب .

​وقد أسهب الكتاب العزيز في عرض هذا الموضوع وتحدث فيه حديثاً مطولاً ، وبسطه في كثير من الآيات ، وربط إلى حد كبير بين وجوده - سبحانه - ووحدانيته ، فمن ذلك قوله تعالى ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم . ان في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) . فقد أطبقت البراهين على أن وجود الواجب - تعالى - بما أنه واجب لذاته مطلق غير محدود بحد ، ولا مقيد بقيد ، ولا مشروط بشرط ، وإلا انعدم فيما وراء حد ، وبطل على تقدير عدم قيده أو شرطه ، وقد فرض واجباً لذاته ، فهو واحد وحده لا يتصور لها ثان ، ومطلق إطلاقاً لا يحتمل تقييداً .

​وقد ثبت أيضاً أن وجود ما سواه أثر مجهول له ، وأن الفعل ضروري المسانخة لفاعله ، فالأثر الصادر منه واحد بوحدة حقة ظلية ، مطلق غير محدود ، وإلا تركبت ذاته من حد ومحدود ، وتألفت من وجود وعدم ، وسرت هذه المناقضة الذاتية إلى ذات فاعله بمكان المسانخة بين الفاعل وفعله ، وقد فرض أنه واحد مطلق ، فالوجود الذي هو فعله وأثره المجعول واحد غير كثير ، ومطلق غير محدود وهو المطلوب . فما يترائى في الممكنات من جهات الإختلاف التي تقضى بالتحديد من النقص والكمال ، والوجدان والفقدان عائدة إلى أنفسها دون جاعلها .

​ولقد مر بنا كثير من هذه الأبحاث في تضاعيف الكتاب في جملة من أبحاثه ، وخصوصاً هذه النقطة التي يترتب عليها كل كلام علماء هذا الفن فلا نطيل بذلك .

​الناحية الثانية : هو أنه واحد لا شريك له ، وهذه أيضاً نقطة لا تقل أهمية عن النقطة السابقة ، فقد اتفقت الأديان السماوية جميعاً على أنه واحد لا شريك له . قال في شرح التجريد : إن أكثر العقلاء اتفقوا على أنه تعالى واحد . والدليل على ذلك النقل والعقل . أما العقل فما تقدم من وجوب وجوده - تعالى - فإنه يدل على وحدته ؛ لأنه لو كان هناك واجب وجود آخر لتشاركا في مفهوم كون كل واحد منهما واجب الوجود ، فإما أن يتميزا أولا ، والثاني يستلزم المطلوب ، وهو انتفاء الشركة والأول يستلزم التركيب وهو باطل ، وإلا لكان كل واحد منهما ممكناً ، وقد فرضناه واجباً . هذا خلف . وأما النقل فظاهر .

​وقد أتينا على هذا البحث في ما تقدم من أبحاث الكتاب .


مقالات مشابهة