المقاربة العلمية والتجريبية في تأويل النص الديني: قراءة في كتاب "أصول المعرفة"

أصول المعرفة في شرح دعاء عرفة للإمام الحسين 


يطرح كتاب "أصول المعرفة في شرح دعاء عرفة" لمؤلفه الشيخ عباس الريس، والصادر جزؤه الرابع عام 1992م، مقاربة إبستمولوجية تتجاوز التحليل اللغوي التقليدي للنص الديني لتؤسس نسقاً معرفياً يدمج بين علم الكلام والمعطيات العلمية التطبيقية. يعمد البحث إلى تفكيك المفاهيم العقدية وإعادة صياغتها ضمن أطر علمية صارمة، مما يحيل النص العبادي إلى مادة للبحث الفلسفي والتجريبي الدقيق.

في سياق دراسة الإدراك البصري والفسيولوجي، توظف الدراسة معطيات علم التشريح العصبي لتأويل مفاهيم الإحاطة المطلقة. فعند تحليل العبارة المرتبطة بحركة الجفون، يناقش المؤلف التفاعل المعقد بين حدقة العين والمراكز الانعكاسية في الدماغ، موضحاً دور قشر الدماغ في عمليات الوعي، والتحليل، وتقدير المسافات. ويربط البحث بين الخلل في هذه المناطق العصبية وما يُعرف بـ "العمى الروحي"، حيث يدرك الإنسان الأشياء بصرياً دون القدرة على استيعابها معرفياً، متخذاً من ذلك دليلاً علمياً على دقة الإحاطة بأدق العمليات البيولوجية وإشاراتها العصبية.

وتتجلى الرصانة العلمية للكتاب في مقاربته لنظريات علم الفلك والفيزياء الكونية. تتطرق الدراسة إلى السجال العلمي حول الأنظمة الفلكية، متجاوزة الهيئة البطليموسية القديمة وصولاً إلى أطروحات نيوتن حول الشكل شبه الكروي للأرض وظاهرة التسطيح القطبي، إلى جانب التفسير العلمي لاستقرار الأجرام في الفضاء استناداً إلى ناموس الجاذبية العامة. علاوة على ذلك، يستدعي البحث مفاهيم الفيزياء الحديثة لتفسير آليات التغير المادي في الكون ومفهوم "سرعة طواء المقادير" و"اختلاف التدبير"، مما ينقل النقاش من حيز الغيب التجريدي إلى فضاء القوانين الفيزيائية القابلة للرصد والقياس.

وعلى صعيد علوم الحاسبات ونظرية المعلومات، تُخضع الدراسة مفهوم "سرعة الحساب" لمعالجة تقنية مقارنة. يعقد البحث موازنة بين العمليات الذهنية البشرية والآلات الحاسبة الإلكترونية، مبيناً البنية الهيكلية للحاسوب من خلال تفكيك مهام وحدة الإدخال، ووحدة التشغيل المركزي، ووحدة الإخراج. وتبرز القيمة الاستشرافية للمؤلف في طرحه لهذه المعطيات التقنية المعقدة في زمن تأليف الكتاب المطبوع عام 1992م، أي قبل الانتشار الواسع للحواسيب، وقبل عقود من الطفرة المعاصرة في تقنيات الذكاء الاصطناعي. فقد ناقش البحث مبكراً "مشروع الجيل الخامس للحاسوب" والآلات ذات الذكاء الاصطناعي التي كان يُؤمل تحقيقها في تلك الحقبة، ليُوظف هذا التحليل التقني المتقدم في استيعاب الفوارق الجوهرية بين القدرة الآلية المبرمجة والسرعة المطلقة في الإدراك الإلهي للبيانات.

وفي معالجة مفهوم الإبصار وتجاوز الحواجز المادية، تستند الدراسة إلى تقنيات الاستشعار عن بعد كمقاييس استدلالية. يُفصل الكتاب ميكانيكية عمل أجهزة الرادار والسونار، موضحاً الفروق الدقيقة بين استخدام الموجات الصوتية تحت الماء والموجات الكهرومغناطيسية (اللاسلكية) في كشف الأهداف وتحديد مسافاتها وتحليل ارتداداتها. وتُتخذ هذه التقنيات كأمثلة تطبيقية لمساعي العقل البشري في تخطي القصور الحسي، وصولاً إلى استيعاب مفهوم الرؤية المطلقة غير المحدودة بعوائق الزمان أو المكان.

تُشكل هذه المنهجية البينية انتقالاً نوعياً في أصول البحث، حيث يتقاطع النص الميتافيزيقي مع الحقائق الفسيولوجية، والفيزيائية، والتقنية. وبذلك، يطرح الكتاب إطاراً تحليلياً يعيد إنتاج المعرفة الدينية وفق آليات التفكير العلمي المعاصر، مما يجعله وثيقة بحثية متقدمة زمانياً وقابلة للتداول في الأوساط الأكاديمية والعلمية المتخصصة.

مقالات مشابهة