معنى الأنا

 

الشيخ عباس الريس 


وقد ذهب الحكماء إلى مذاهب كثيرة في حقيقة النفس وهو ما يشير إليه كل أحد بقوله «أنا» والداثر منها على الألسنة والمذكور في الكتب المشهورة أربعة عشر مذهباً.

​١ - هذا الهيكل المحسوس المعبر عنه (بالبدن) ، فإن الجسم بجميع أعضائه وأوصاله يكون البنية العامة للهيكل الإنساني.

٢ - إنها القلب : أعني العضو الصنوبري اللحماني المخصوص فإنه قد جعل سلطان الجوارح كلها.

٣ - إنها الدماغ : لأنه يحتوي على الطاقة العقلية ، وبه تدار العمليات الجسمية من حركة وسكون وسائر تصرفات الإنسان العقلانية.

٤ - إنها أجزاء لا تتجزأ في القلب وهو مذهب النظام ومتابعيه ، ومعنى ذلك أن القلب بهيكله العام وبما يحويه من نبضات تبعث الدفء والحياة بواسطة ما يدفع من هذا السائل الحيوي الأحمر المعبر عنه (بالدم) والذي يحمل إلى الجسم مختلف أنواع الغذاء بعد تصفيتها ، إن القلب بهذا المركز وبهذه الأهمية هو المعبر عنه بالنفس.

٥ - إنها الأعضاء الأصلية المتولدة من المني. وهذا نظير ما جاء في كتاب الله العزيز في قوله تعالى : ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾.

٦ - إنها المزاج ، والمزاج يكون مرة حاداً حاراً ، ومرة أخرى يكون بارداً.

٧ - إنها الروح الحيواني ، أو روح الحياة التي هي من جملة الأرواح المتعلقة بجسم الإنسان ومنها روح النمو وروح اليقظة وغيرها ، ويقرب منه ما قيل إنها جسم لطيف سار في البدن سريان الماء في الورد والدهن في السمسم.

٨ - إنها الماء ، لأن الماء يتركب منه جميع أجسام الكائنات الحية بنسبة ٨٠٪ وكثير من الجمادات وإلى ذلك كله أشارت الآية الكريمة : ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.

٩ - إنها النار والحرارة الغريزية ومعنى ذلك هو الحرارة الموجودة في الجسم وهي في متوسط 37 1/2° فإن هذا المقدار لا يتحمل الجسم ارتفاعه وانخفاضه.

١٠ - إنها النفس وسيأتي بعد قليل هذا المعنى في تفسير قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

١١ - هي الواجب ، تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً.

١٢ - إنها الأركان الأربعة النار والماء والهواء والتراب وهي المواد الأولية التي يتقوم منها جسم الإنسان.

١٣ - إنها صورة نوعية قائمة بمادة البدن ، وهو مذهب الطبيعيين الذين ينصهرون في المادة ولا ينظرون إلى شيء سواها.

١٤ - إنها جوهر مجرد عن المادة الجسمانية ، وعوارض جسمانية لها تعلق بالبدن ، تعلق التدبير والتصرف ، والموت هو قطع هذا التعلق ، وهذا هو مذهب الحكماء الإلهيين وأكابر الصوفية والإشراقيين ، وعليه استقر رأي المحققين من المتكلمين كالإمام الرازي والغزالي ، والمحقق الطوسي ، وغيرهم من الأعلام وهو الذي أشارت إليه الكتب السماوية ، وانطوت عليه الأنبياء النبوية ، وقادت إليه الإمارات الحدسية ، والمكاشفات الذوقية.

​وبالنسبة إلى ما أشارت إليه الآية التي ذكرناها في البند العاشر أن على المؤمن أن يشتغل بما يهم نفسه من سلوك سبيل الهدى ، ولا يهزه ويغريه ما يشاهده من ضلال الناس وشيوع المعاصي بينهم ، ولا يشغله ذلك ولا يشتغل بهم ، فالحق حق وإن ترك والباطل باطل وإن أخذ به. قال تعالى : ﴿قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

​ومن جهة أخرى أن الإنسان وهو إنسان من حقيقة قوله (أنا) و (نفسي) لا يخطىء فيه البتة ، إذ ليس من البعيد أن نكون ندرك حقيقة من الحقائق الكونية إجمالاً ادراكاً غير خاطىء ، ثم نأخذ بالبحث عن هويته وواقع أمره تفصيلاً فنخطىء فيه عند ذلك ، فهناك موضوعات علمية من المحسوسات الظاهرية نشاهدها مشاهدة عيان ، والعلماء لا يزالون يختلفون في أمرها خلفاً عن سلف.

​وبكلمة أخيرة نقول : إن الهدف الأول من الدين هو تهذيب النفس والابتعاد بها عن الشوائب التي تشينها ، ومن ذلك الإعجاب بالنفس والإعتداد (بالأنا) أو بالأنانية كما يحلو للبعض.

​ثم إن هذه الشوائب إما أن تأتي إلى النفس من الخارج ، فتؤثر على الإنسان وسلوكه في الحياة ، وإما أن تأتي من الداخل ، وإن كلا الجهتين تحدث أثراً ضاراً بالإنسان ، وإنه إذا تخلص من النفس الأمارة بالسوء فإنه قد كسب في ايمانه خيراً ، وفي حياته سعادة.

​وبعد هذا الإستعراض لمعاني (الأنا) و (النفس) نعود مع النص الماثل أمام هذا البحث.

​يقول ـ عليه السلام ـ : (ثم أنا يا إلهي المعترف بذنوبي فاغفرها لي) المعترف بالذنب أمام الخالق الغرض منه غفرانه ، وهذا ما أشار إليه النص بوضوح ، فإن غفران الذنب لا يكون مع النفاق والتحايل ، وإنما يكون مع الإخلاص في التوبة ، والإقلاع عن ممارسة الجرم والاعتراف به مصحوباً بالندم يعني العزم على الترك ، وإلّا لم يكن للاعتراف فائدة، ولم يكن ذلك إلّا مجرد إخبار ، والإخبار عن شيء هو فيه مع عدم العزم على الإقلاع هو بعكس ما يراد من العبد وهو التوبة.

​أما نسبة الذنب إليه ـ عليه السلام ـ فقد مرّ بنا تحليل ذلك في الجزء الثاني من الكتاب في كثير من الأبحاث.

​ويؤيد ما قلناه فعل الأمر (فاغفرها) ؛ لأن الطلب قد جاء ضمن الإعتراف بالذنوب ، وهذا يعني بدوره التوبة النصوح.

​وأنت إذا تأملت كثيراً في هذه الذنوب التي عددها في هذا النص وجدت معظمها يصدر من الإنسان في كثير من الأحيان بحكم العادة ، بل لا يعدّ ذنباً بالمعنى الأخص فقوله ـ عليه السلام ـ : (أنا الذي أخطأت ، أنا الذي أغفلت ، أنا الذي جهلت ، أنا الذي هممت ، أنا الذي سهوت) كل ذلك يمارسه الإنسان من حيث يدري أو لا يدري ، لأن الصفات الإنسانية تحكم بتصرفات الإنسان في حالات الخير والشر ، ولكن على اختلاف المراتب والدرجات يعاتب الإنسان ، وربما يحاسب عليها.

​فالخطأ والغفلة والجهل والهم والسهو كلها معان متقاربة تصدر عن الإنسان اللبيب فضلاً عن الإنسان الجاهل ، ولكنها تعد من أحدهما غير ما تعد من الآخر ، فإن عمل السوء بجهالة ـ مثلاً ـ يختلف عن عمله بعد العلم به ... وهكذا.

​ثم قال ـ عليه السلام ـ :

(أنا الذي اعتمدت). والإعتماد بحسب ما يفيده السياق من العبارات التي ذكرها في مقام التقصير والإعتراف به أنه يفيد الإعتماد على الغير ، ولا يمكن أن يفيد الإعتماد على الله بحسب القرائن الدالة ، وإلّا لم يكن ذنباً يؤاخذ عليه حتى يعترف به ليغفره له ، وهذا كله مبالغة في التذلل والخضوع. وفي الواقع أن الإنسان ربما تخامره غفلة أو يذهل بعض الأحيان من كان تدبير أموره بيده. فالإعتماد على الغير سواء كان في الشدة أو الرخاء إبتعاد نوعاً ما عن الإعتماد كلية على الله ـ سبحانه ـ.

​أما التعمد فالمقصود به أما أن يكون راجعاً إلى الإعتماد على الغير كما قلنا ، وبكلمة أخرى قصد اللجوء إلى الغير ، وبذلك يلام الإنسان على ذلك وهو نظير قوله ـ تعالى ـ : ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمِنِي مِنَ الْمَاءِ . قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾. وأما أن يكون تعمداً في إقتراف الذنب يختلف عن الذنب بجهالة ، وقد مرّ معنا في عبارات سابقة من هذا البحث معنى ذلك.

​فتعمد إقتراف الذنب يعني يسبق ذلك إصرار وتصميم وإلّا لم يكن تعمداً ، فإن إقتراف الذنب فجأة وبدون تخطيط لذلك لا يعتبر تعمداً. وبعبارة أخرى إن مصادفة الذنب لأول وهلة يلزم أن يكون ذلك بدون علم ، ومعنى ذلك أن الإنسان في هذه الحال لا يعرف كيف يذنب فيكون من باب عمل السوء بجهالة.


مقالات مشابهة