محق الآثار بالآثار

الشيخ عباس الريس 


تحت هذا العنوان يقول - عليه السلام - مخاطباً الله بأنه هو القادر على كل شيء فقال : ( محقت الآثار بالآثار ) ومحق الآثار هو محوها بحيث يحل محلها ما يناقضها أو يخلفها وإلا لم يكن محقاً ، كمحق الصحة بالمرض وبالعكس ، ومحق الفقر بالغنى وبالعكس ، ومحق الحياة بالموت وبالعكس ، وهكذا .

​على أن هذا المحق المذكور هو لا يقل شأناً عن البراهين الساطعة التي تثبت وجوده ـ سبحانه ـ في كل شيء كما تقدم ذكر ذلك ، وبهذا الإعتبار يمكن القول بأن هذا المحق هو تحد محض لجميع القدرات المتصورة في عالم الوجود .

​فإن القدرات الأخرى إن استطاعت أن تمحق آثاراً فلا تستطيع أن تأتي بآثار أخرى ، فهي لم تمحق الآثار بالآثار ، وإنما محقت الآثار بغير شيء ، فلم يحل محل هذه الآثار الممحوقة آثار أخرى .

​ولهذا نراه ـ عليه السلام ـ يشير إلى هذا التحدي بوضوح في قوله : ( ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار ) فالأغيار جمع غير ، على وزن أموات وميت ، وهذا الغير هو ما أشار إليه في العبارة السابقة بالمحق .

​فالأغيار هنا بمعنى العدم الذي يقابل الوجود مقابلة النقيضين . أما هذا الوجود فهو ما عبر عنه ( بمحيطات أفلاك الأنوار ) والمحيط هو البحر الكبير المتناهي في الكبر ، أو الذي لا يدرك الإنسان ساحله .

​وقد استعار هذا للتعبير عن كثرة الأنوار التي تظهر البراهين المشرقة على وجود الصانع سبحانه وإن لم يره الإنسان ، أو أن هذه الأنوار هي بنفسها براهين ساطعة على ذلك ـ كما سوف يأتينا في الفقرة التالية من الدعاء ـ أو بعبارة أخرى إنه عبر بهذه الكثرة من الأنوار وهذه السعة ليقول : بأن هذه الأنوار لم تقتصر على النور المادي الذي ينحصر في رؤية البصر ، ولكنها تتعدى إلى إنارة القلوب الباحثة عن معرفة الله سبحانه وتعالى .

​ومن الغريب ، بل ومن الغريب جداً أنك ترى استعمال كلمة المحيطات في العبارة المطروحة أمام هذا البحث لتدل على الشمول كما تدل على السعة التي لا يدركها الإنسان .

​ففي سعتها إلى أن الإنسان أينما رمى ببصره وجد الله في آياته وعلاماته ، ظاهراً في كل شيء ـ كما مر بنا في الفقرة السابقة ـ وبذلك لا يكون للإنسان عذر في إنكار ما يجد من هذه الآثار والعلامات الدالة بتغيراتها وتقلباتها وإلفاتها للنظر في حركاتها وسكونها على الصانع سبحانه .

​وأما في تحديدها فإنها تعني أن الإنسان ليس له مفر من قبضة الله سبحانه ، فأينما توجه فهو مملوك ، وبذلك لا يسعه إلا الإذعان للأوامر والنواهي ؛ لأنه مجبور بالأدلة الظاهرة والباطنة على معرفة الله سبحانه ، ومرغم على الإعتراف بذلك ـ كما دلت عليه الآيات والروايات. 

 

مقالات مشابهة