العصمة وما في معناها
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
لقد جرى الحديث عن العصمة في كثير من مناسبات الكلام فيما مضى من أبحاث الكتاب بصورة مستقلة .
أما ها هنا فسنشير إليها مع مراعاة معان أخرى تنطبق معها ، أو تفارقها في بعض الحالات جرياً مع النص في قوله - عليه السلام - ( وسددنا واعصمنا ) والتسديد مقارب للعصمة إلا أن هناك قليلاً من الفوارق ربما يلتمس منه العطف المغاير بالواو .
فالتسديد كما ورد في بحث اللغة هو الإعتدال في المنطق والتدبير ، ولكنه مهما ورد فيه من الإطراء في التعريف فإنه لا يرتفع إلى مستوى العصمة بمعناها المصطلح ، أو المعنى المشار إليه في النص ، فالعصمة بهذا الإعتبار هي أخص من التسديد ، ويظهر أن بين الكلمتين عموماً وخصوصاً مطلقاً .
وإذا تأملت في هاتين الكلمتين وكيفية مجيئهما في النص قضيت عجباً ولقيت نصباً ؛ وذلك لأنه - عليه السلام - قد تدرج في طلبه من المهم إلى الأهم ، فهو قد طلب التسديد من الله بعد التوفيق ، والتسديد أخص ، ثم ارتقى إلى طلب العصمة من الله بعد التسديد والعصمة أخص ، وهذا يدلك على كيفية وزن الكلام ، وجعله كالبنيان المرصوص الذي يعتمد آخره على أوله ، وهذا بدوره أيضاً يدل على عصمته في الكلام .
ويبقى هنا سؤال يطرح نفسه وهو : ماذا يقصد الحسين - عليه السلام - من العصمة التي ذكرها ؟
فإن كان المقصود بالعصمة هي التي قد أعطيت للأنبياء والأئمة فذلك تحصيل الحاصل لأنها موجودة فيه فعلاً .
وإن كان المقصود ما هو أعم من ذلك فهذا هو ما يحوم حوله الإشكال .
فإن العصمة بالمعنى الأخص وهي عصمة الأنبياء والأئمة - عليهم السلام - كفيلة بحماية الإنسان عن الذنب الكبير والصغير ، بل وحتى ما ينافي المروءة ، بل وحتى من خطرات القلوب والأوهام التي تداعب خيال الإنسان . وعلى هذا التقدير فلا داعي لأن يطلب من الله العصمة بالمعنى الأعم .
إلا أنا نقول : بأن هذا الطلب كما ذكرنا هذا مراراً ـ ليس له بمفرده ؟ لأنه يشرك في دعائه أهل ذلك الموقف جميعاً ؛ لأن ضمير الجمع يدل على ذلك في قوله ( واعصمنا ) كما أنه من البعيد أن يقصد من هذا الجمع تعظيم نفسه في مقام التواضع في ذلك الموقف ، وذلك لعدم إمكان الجمع بينهما .
وعليه فإن الدعاء له ولأهل الموقف بالعصمة هو بمعنى الدعاء لهم بكل خير كالتوفيق والتسديد .
وربما توجهت هناك نظرة أخرى في العلاقة بين هاتين الكلمتين ( سددنا ) و( اعصمنا ) وهو أن يريد التوضيح والتفسير بهذا العطف ، وذلك كما قال الشاعر :
إن الغريب وإن عزت مكانته هيهات ينفك عن وجد وعن حزن
وغير ذلك من الأساليب التي يستشف منها تأكيد المعنى المقصود .
الهوامش:
(٤) سورة فاطر : الآية ، ١ .
(٥) تفسير الميزان ج١٠ ، ص ٣٦٩ .
