أبيات في حكمة الله الخفية: قصة النبي داود والأرملة الباكية.

 

الشيخ عباس الريس 


في سياق استعراضه لقصة النبي داود (عليه السلام) مع المرأة الأرملة ضمن مصنفه "أصول المعرفة في شرح دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام"، عَمَدَ الشيخ عباس الريّس إلى إفراغ السرد النثري للحادثة في قالب منظوم؛ انطلاقاً من استساغته الأدبية التي أفصح عنها بقوله: "وقد أحببت صياغة هذه الحادثة في مقطوعة شعرية". وتتمحور وقائع هذه الحكاية حول إشكالية الإدراك البشري لمفهوم العدل الإلهي؛ إذ تتناول مأساة امرأة بائسة تكابد شظف العيش، فقدت مصدر رزقها الوحيد بعد أن انقضّ صقرٌ جارحٌ فاختطف غزلها الذي تعيل به أيتامها، لتهرع إلى نبي الله شاكيةً غياب الإنصاف. بيد أن أبعاد العناية الربانية الخفية ما لبثت أن تجلّت في مشهد موازٍ؛ حيث سيّر الله ذلك الصقر ليُلقي بالغزل ذاته فوق سفينةٍ توشك على الغرق في لُجج البحر، ليتلقفه عشرةٌ من التجار ويسدّوا به خرق سفينتهم، وينجوا من مهلكة محققة. وتُختتم الحادثة بوفاء التجار بنذرهم عبر تقديم ألف دينار للنبي داود الذي سلمها كاملة للأرملة، ليؤسس النص بذلك لمقاربة عقدية تبرهن على أن ما يبدو لقصور البصيرة البشرية كابتلاء أو حرمان مجحف، إنما يمثل في الغيب الإلهي عينَ الرحمة وتجلياً دقيقاً للعدالة المطلقة.


جاءت لداود تهمي الدمع أرملة

تبكي وقد مزجت دمعاً لها بدم

​تميل من حزن والقلب في شجن

وتندب الحظ في وجد وفي ألم

​تساءلت عنده واللون مختطف

والقلب كالطير بالسهم المصيب رمي

​هل أن ربّك (عدل) لا يجور وقد

جارت عليّ الليالي فاستمع كلمي

​قد كنت أغزل نسجاً كل آونة

ولي عيال رعاك الله كالرمم

​أبيع غزلي وأعطي الأهل قوتهم

ولا غرابة أن أحنو على رحمي

​فجاء طير السما وانقض مقتنصاً

رزقي ورزق عيالي من لهاة فمي

​وابتز مني ذاك النسج مرتفعاً

وصيّر الأمل المنسوج في العدم

​هذي شكاتي فاسمعها برمتها

فاعجب لها فهي شحم ليس بالورم

​فقال داود إن الله ربّك قد

أقام للعدل آيات من الحكم

​والعدل قام به أمر الوجود فما

يدريك ذاك ولولا العدل لم يقم

​لا تجزعي فالإله الحق يعلم ما

يجري عليك وحال العسر لم يدم

​توقعي فرجاً منه فإن له

يداً تفيض على المخلوق بالنعم

​لا تيأسي إن يأس المرء منقصة

للعقل بل تهمة من أعظم التهم

​وبينما كان داود يؤنبها

طوراً وطوراً يذيف الصوت بالنغم

​دقت على بابه قوم تقول ألا

يا أيها السيد المنصوب للأمم

​ويا نبياً حباه الله مكرمة

سبحانه فهو ربّ واسع الكرم

​خذ هذه ألف دينار فقد وجبت

نذراً علينا وخلف النذر في الذمم

​لقد ركبنا وكان البحر مركبنا

والمركب الصعب يذري الدمع كالديم

​طغى علينا وهاج الموج مرتفعاً

(طغي الجياد إذا عضت على الشكم)

​ونحن عشرة تجار سفينتنا

ترنحت مثل فتك الحوت بالبلم

​تسرب اليم من خرق ألم بها

والموج مغتلم في جوف مغتلم

​وليس ثمة منجاة وما برحت

أكبادنا من أليم الخطب في ألم

​حتى نذرنا بهذا حين واجهنا

صعب من الصعب أو خوف من ...

​إذا بطير السما ينقض في فمه

نسج من الصوف في تلك السفين رمي

​وأصلح الفلك حيث الخرق متسع

والله معتصم بل خير معتصم

​المرء يحسب أن الله أهمله

والله يرعاه في داج من الظلم

​وسبح الله داود وقال لها

قومي خذي المال ألفاً غير منقسم

​هذا هو (العدل) لا ظلم يساوره

فالعدل لله يا هذي من القدم

​واستغفري الله إن الله يغفر ما

جنيت بالقول إن الذنب بالكلم

​ثقي بربّك فهو الله ليس له

ند فهذا الذي قد خط بالقلم


مقالات مشابهة