خيرة الله من الخلق
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
أما قوله ـ عليه السلام ـ : ( وخيرتك ) فإن الخيرة كما سبق تفسيرها في بحث اللغة هو الإنتقاء ، ومن المسلم به أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ هو أفضل الكائنات على الإطلاق ، وهو أفضل النبيين والمرسلين على الخصوص .
ففي الحديث القدسي كما في العيون والإكمال والكافي والجامع بطرق عديدة : ( إني أنا الله لا إله إلا أنا ، قاصم الجبارين ، ومذل الظالمين ، وديان يوم الدين ... وساق الحديث إلى أن قال ـ جلّ جلاله ـ : إني لم أبعث نبياً فأكملت أمامه ، وانقضت مدته ، إلا جعلت له وصياً ، وإني فضلتك على الأنبياء ، وفضلت وصيك على الأوصياء ... الحديث ) . وفي الإكمال في الصحيح عن علي ـ عليه السلام ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ ما خلق الله خلقاً أفضل ولا أكرم عليه مني . قال علي ـ عليه السلام ـ : فقلت : يا رسول الله . أفأنت أفضل أم جبرئيل ؟ فقال : يا علي ، إن الله ـ تبارك وتعالى ـ فضل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقربين ، وفضلني على جميع الأنبياء والمرسلين ، والفضل بعدي لك يا علي ، والأئمة من بعدك ، فإن الملائكة لخدامنا ، وخدام محبينا . يا علي الذين يحملون العرش ، ومن حوله ، يسبحون بحمد ربهم ، ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ... الآية . بولايتنا . يا علي لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء ، ولا الجنة ، ولا النار ، ولا السماء ولا الأرض ، وكيف لا نكون نحن أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى التوحيد ، ومعرفة ربنا ـ عزّ وجلّ ـ وتسبيحه وتقديسه ، وتهليله وتحميده ، ثم خلق الملائكة ، فلما شاهدوا أرواحنا نوراً واحداً استعظموا أمرنا ، فسبحنا الله لتعلم الملائكة إنا خلق مخلوقون .. وساق الحديث إلى أن قال : فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون ؟ وإنه لما عرج بي إلى السماء أذن جبرئيل ـ عليه السلام ـ مثنى مثنى ، ثم قال : تقدم يا محمد صلِّ فقلت : يا جبرئيل أتقدم عليك ؟ فقال : نعم ؛ لأن الله فضل أنبياءه على ملائكته أجمعين ، وفضلك خاصة على جميع المخلوقين ... ثم ساق كلاماً طويلاً إلى أن قال : فقلت : يا ربّ ، وهؤلاء أوصيائي من بعدي ؟ فنوديت يا محمد هؤلاء أوليائي وأحبائي وأصفيائي وحججي بعدك على بريتي . وهم أصفياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك . وقد شرفه الجليل بخطاب ( يا محمد : لولاك ما خلقت الأفلاك ولولا علي ما خلقتك ، ولولا فاطمة ما خلقتكما ) وفي هذا الحديث مجال للحديث سوف نستعرضه في مكانه المناسب إن شاء الله . فقوله ـ عليه السلام ـ : ( وخيرتك ) أي أنه قد إصطفاه الله من بين خلقه ، وهذا مأخوذ من الخير ، ومعنى ذلك أن النبوة كلها خير ولا شيء من الشر فيها ، وهي ضرورة من ضرورات الحياة ؛ لأنها تنظم العلاقات بين الخالق والمخلوق ، خلافاً للبراهمة الذين أنكروها ، وقالوا : بأن الإنسان العاقل لا حاجة له فيها ، لأنها إن كانت قد جاءت بما يوافق العقل فلا حاجة للعقل فيها وله حق الرفض ، وإن كانت قد جاءت بما يخالف العقل فله الحق أن يرفض ما خالفه . وهذه الشبهة مبنية على إنحصار الأمور كلها في العقل ، إذا كان العقل له قابلية التمحيص . ولكنا نقول بعدم التسليم بانحصار الأشياء كلها في العقل كما نقول أيضاً بعدم قابلية العقل على التمحيص والتمييز لكل الأشياء ، وإذا ثبت عدم إنحصار الأمور فيه وثبت نقصانه وجب أن يوجد مسدّد ومكمل لما يفوت الإنسان ولما يشتبه عليه . وقد أشار إلى ذلك في الكتاب العزيز في قوله : ﴿ وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ﴾ . قال المفسرون : الإختيار مأخوذ من الخير ، وحقيقته أن تردد أمر الفاعل ـ مثلاً ـ بين أفعال يجب أن يرجع واحداً فيها ، ليفعله فيميز ما هو خيرها ، ثم يبني على كونه خيراً من غيره فيفعله فبناؤه على كونه خيراً من غيره هو اختيار ، فالإختيار دائماً لغاية هو غرض الفاعل من فعله . ثم أخذ يواصل وصف النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ فقال : ( وأمنيك على وحيك ) . |
