الملك الدائم والمتزلزل

الشيخ عباس الريس 


وقد بدأ ـ عليه السلام ـ بقوله : ( اللهم يا من ملك فقدر ، وقدر فقهر ) وحقيقة هذا الملك الذي أشار إليه الحسين ـ عليه السلام ـ في هذه العبارة يختلف عن الملك عند الإنسان ، وذلك للحقائق التالية التي نلتمس في ضمنها كثيراً من الفوارق بين هذا وذاك :

​١ - الملك الجعلي أو الإعتباري كملك الإنسان للمال والعقار ، فهو ملك متزلزل لأنه ينتقل من حالة إلى أخرى ، ومن شخص إلى آخر فالدينار لا يستطيع الإنسان أن يستفيد منه حتى يصرفه في الوجه المطلوب وهكذا بقية الممتلكات .

​٢ - الملك الحقيقي وهو الملك الدائم الذي لا يتحول ولا يتغير وهذا الملك خاص به ـ سبحانه ـ لأنه لا يتغير ولا يتحول فهو ملك دائم أبداً ما بقي الليل والنهار .

​بعد هذا نقول إن الملك الذي أشار إليه في العبارة هو من النوع الثاني لأنه ـ عليه السلام ـ قد قرن الملك بالقدرة . ولما كانت القدرة المتعلقة به ـ سبحانه ـ هو من الصفات اللازمة لأن لسان العالم وإلباسه الوجود بعد العدم ينادي بثبوت القدرة على الوجه الأتم لصانع هذه الأشياء والمبلس لها بعد الإمكان الوجود الفعلي . دلنا على أن المقصود بالملك هو ذلك الملك الذي لا يفنى .

​أما إقتران الملك بالقدرة فإنه شيء بديهي ؛ لأنه لا يمكن أن تتحقق قدرة بدون ملك ؛ لأن المالك يتصرف في ملكه بقدرة ، ومعنى ذلك : إن هذا التصرف هو تصرف سائغ معقول ، أما التصرف في ملك الغير وإن استطاع أن يعمل فيه ما يشاء إلا أن ذلك لا يعتبر من القدرة المعقولة في شيء ؛ لأنه ممنوع شرعاً وعقلاً . وقد أشارت إلى هذا المعنى الآية الكريمة في قوله ـ تعالى ـ : ﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير﴾ قال الطبرسي في مجمع البيان : الملك هو اتساع المقدور لمن له السياسة والتدبير ، ومعناه : الذي هو المالك ، وله الملك يؤتيه من يشاء ، ويتصرف فيه كما يشاء ، وإنما ذكر اليد تأكيداً ، ولأن أكثر التصرفات والعطايا باليد ، ثم قال : ( وهو على كل شيء قدير ) من إنعام وانتقام . وقيل معناه : إنه قادر على كل شيء ويصح أن يكون مقدوراً له ، وهو أخص من قولنا : وهو بكل شيء عليم ، لأنه لا شيء إلا ويجب أن يعلمه ، إذ لا شيء إلا ويصح أن يكون معلوماً في نفسه ، ولا يوصف ـ سبحانه ـ بكونه قادراً على ما لا يصح أن يكون مقدوراً في نفسه مثل ما تقضى وقته مما لا يبقى .

​وقال في الميزان : ( الذي بيده الملك ) يشمل بإطلاقه كل ملك ، وجعل الملك في يده إستعارة بالكناية عن كمال تسلطه عليه ، وكونه متصرفاً فيه كيف يشاء كما يتصرف ذو اليد في ما بيده ، ويقلبه كيف يشاء ، فهو تعالى يملك بنفسه كل شيء من جميع جهاته .

​ثم قال : وقوله : ( وهو على كل شيء قدير ) إشارة إلى كون قدرته غير محدودة بحد ولا منتهية إلى نهاية ، وهو لازم إطلاق الملك بحسب السياق ، وإن كان إطلاق الملك وهو من صفات الفعل من لوازم إطلاق القدرة ، وهي من صفات الذات .

​وبكلمة أخيرة أن القدرة لما كانت متعلقة بالملك أصبحت تعني التصرف المطلق بدون حرج . هذا بالنسبة إلى الإنسان ، أما بالنسبة إلى الله فإنه لما كان له ملك السموات والأرض ، لا يعزب عنه مثقال ذرة فإن قدرته تعني علمه بكل شيء ـ كما سبق في تفسير الآية الكريمة السالفة الذكر ـ لأنه لا يمكن التصرف بدون علم ، مع مراعاة تنزيه فعله ـ سبحانه ـ عن العبث ، واتصافه بالحكمة ، فقدرته ـ سبحانه ـ مربوطة بمرعاة هذه الصفات التي يتصف بها ، وبذلك يتجلى المعنى المقصود من العبارة السابقة .


 

مقالات مشابهة