قصة أصحاب الكهف في القرآن

 

الشيخ عباس الريس 


قال تعالى: ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً﴾ وقال تعالى مخاطباً لنبيه ـ صلى الله عليه وآله ـ: ﴿فلا تمار فيهم إلاّ مراءً ظاهراً ولا تستفت فيهم منهم أحداً﴾ كان أصحاب الكهف والرقيم فتية نشأوا في مجتمع مشرك لا يرى إلاّ عبادة الأوثان فتسرب في المجتمع دين التوحيد، فآمن بالله قوم منهم فأنكروا عليهم ذلك وقابلوهم بالتشديد والتضييق والفتنة والعذاب، وأجبروهم على عبادة الأوثان ورفض دين التوحيد، فمن عاد إلى ملتهم تركوه ومن أصرّ على المخالفة قتلوه شر قتلة. وكانت الفتية ممن آمن بالله إيماناً على بصيرة، فزادهم الله هدىً على هداهم وأفاض عليهم المعرفة والحكمة، وكشف بما آتاهم من النور عما يهمهم من الأمر، وربط على قلوبهم فلم يخشوا إلاّ الله ولا أوحشهم ما يستقبلهم من الحوادث والمكاره، فعلموا أنهم لو أداموا المكث في مجتمعهم الجاهل المتحكم لم يسعهم دون أن يسيروا بسيرتهم فلا يتفوهوا بكلمة الحق، ولا يتشرعوا شريعة الحق، وعلموا أن سبيلهم أن يقوموا على التوحيد ورفض الشرك ثم إعتزال القوم وعلموا أن لو اعتزلوهم ودخلوا الكهف أنجاهم الله من البلاء.

​فقاموا وقالوا رداً على القوم في إقتراحهم وتحكمهم: ﴿ربّنا ربّ السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً . هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن إفترى على الله كذباً﴾.

​ثم قالوا: ﴿وإذ إعتزلتموهم وما يعبدون إلاّ الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربّكم من رحمته ويهيىء لكم من أمركم مرفقاً﴾.

​ثم دخلوا الكهف واستقروا على فجوة منه، وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد، فدعوا ربّهم بما تفرسوا من قبل أنه سيفعل بهم ذلك. فقالوا: ﴿ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشداً﴾ فضرب الله على آذانهم في الكهف سنين ولبثوا في كهفهم وكلبهم معهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وذات الشمال وهم في فجوة منه وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود ويقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط يديه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً.

​ثم إن الله بعثهم بعد هذا الدهر الطويل وهو ثلاثمائة وتسع سنين من يوم دخلوا الكهف ليريهم يوم نجاهم من قومهم فاستيقظوا جميعاً ووجدوا أن الشمس تغير موقعها وفيهم شيء من لوثة نومهم الثقيل قال قائل منهم: كم لبثتم؟ قال قوم منهم لبثنا يوماً أو بعض يوم لما وجدوا من تغير موقع الشعاع وترددوا هل مرت عليهم ليلة أو لا؟ وقال آخرون منهم: بل ربّكم أعلم بما لبثتم ثم قال فابعثوا بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه فإنكم جياع وليتلطف الذاهب منكم إلى المدينة في المسيرة إليها وشرائه الطعام ولا يشعرن بكم أحداً إنهم إن علموا بمكانكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذاً أبداً.

​وهنا أراد أن يعثر الله ـ سبحانه ـ الناس عليهم، فإن القوم الذين إعتزلوهم وفارقوهم يوم دخلوا الكهف قد انقرضوا، وذهب الله بهم وبملكهم وملتهم، وجاء بقوم آخرين الغلبة فيهم لأهل التوحيد والسلطان، وقد اختلفوا ـ أعني أهل التوحيد وغيرهم ـ في أمر المعاد. فأراد الله ـ سبحانه ـ أن يظهر لهم آية في ذلك فأعثرهم على أصحاب الكهف.

​المبعوث من الفتية وأتى المدينة، وهو يظن أنها التي فارقها، وجد المدينة قد تغيرت بما لا يعهد مثله في يوم ولا في عمر، والناس غير الناس، والأحوال والأوضاع غير ما كان يشاهد بالأمس فلم يزل على حيرة من الأمر حتى أراد أن يشتري طعاماً بما عنده من الورق وهي يومئذٍ من الورق الرائجة قبل ثلاثة قرون فأخذت المشاجرة فيها ولم تنته دون أن كشفت عن أمر عجيب، وهو أن الفتى ممن كانوا يعيشون هناك قبل ذلك بثلاثة قرون وهو أحد الفتية كانوا في مجتمع مشرك ظالم فهجروا الوطن واعتزلوا الناس صوناً لإيمانهم ودخلوا الكهف فأماتهم الله هذا الدهر الطويل ثم بعثهم، وها هم الآن في الكهف في انتظار هذا الذي بعثوه إلى المدينة ليشتري لهم طعاماً يتغذون به.

​فشاع الخبر في المدينة لساعته واجتمع جمع غفير من أهلها فساروا إلى الكهف ومعهم الفتى المبعوث من أصحاب الكهف فشاهدوا ما فيه تصديق الفتى فيما أخبرهم من نبأ رفقته وظهرت لهم الآية الإلهية في أمر المعاد.

​ولم يلبث أصحاب الكهف بعد بعثهم كثيراً دون أن توفاهم الله ـ سبحانه ـ وعند ذلك إختلف المجتمعون على باب الكهف من أهل المدينة ثانية فقال المشركون منهم ابنوا عليهم بنياناً ربّهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم وهم الموحدون لنتخذن عليهم مسجداً.

​وحول هذه القصة تثار الكثير من علامات الإستفهام والتعجب ويقع الخلاف بين المسلمين وغيرهم في موقع هذا الكهف.

​فقد عثر على كثير في مختلف بقاع الأرض من الكهف، وعلى جدرانها تماثيل رجال ثلاثة أو خمسة أو سبعة، ومعهم كلب وفي بعضها بين أيديهم قربان يقربونه، ويقرب من الظن أن هذه النقوش والتماثيل إشارة إلى قصة الفتية، وانها انتشرت وذاعت بعد وقوعها في الأقطار فكان يتذكرها الرهبان والمتجردون للعبادة في هذه الكهوف.

​وأما الكهف الذي إلتجأ إليه واستخفى فيه أهل الكهف وجرى عليهم ما جرى فالناس فيه في اختلاف وقد ادعي ذلك في عدة مواضع.

​الكهف الأول: كهف أفسوس وهذه مدينة خربة أثرية واقعة في تركيا وهو كهف واسع فيه مئات من القبور مبنية من الطوب. وهذا الكهف إذا تأمله المتأمل لا ينطبق عليه ما في الكتاب العزيز من المشخصات ولا حاجة بنا إلى ذكر ذلك.

​الكهف الثاني: كهف رجيب وهذا الكهف واقع على مسافة ثمانية كيلومترات من العاصمة الأردنية عمّان بالقرب من قرية تسمى رجيب وعلى الجدران نقوش وخطوط باليوناني القديم وصورة كلب مصبوغة بالحمرة وزخارف وتزويقات أخرى. وبعد الكشف عنه والحفر والتنقيب فيه ظهر بعد خفائه قروناً وقامت عدة من الأمارات والشواهد الأثرية على كونه كهف أصحاب الكهف المذكورين في القرآن.

​والكهف الثالث: كهف بجبل قاسيون بالقرب من الصالحية بدمشق الشام ينسب إلى أصحاب الكهف.

​والكهف الرابع: كهف بالبتراء ببلاد فلسطين ينسبونه إلى أصحاب الكهف. وهناك كهوف أخرى ذكرتها المصادر التاريخية الإسلامية وغير الإسلامية ولكنها لا تمت إلى الحقيقة بصلة.

​ومما تقدم ندرك ضرورة إستعمال كلمة الكهف في النص الماثل وذلك لأنه ـ عليه السلام ـ عندما قال: ( أنت كهفي ) يعني: أعيش في كنفك وحمايتك، فلا أتأثر بما حولي كما أن الكهف الواقع في الجبل لا يتأثر من يلجأ إليه بالمؤثرات الخارجية كالأمطار والرياح والعواصف وغيرها ؛ لأنه في جبل.

​وربما يتبادر إلى الذهن من هذه الكلمة أنه يلجأ إلى قوة قاهرة جبّارة لا تغلب، فإذا لجأ إليها فإنه في أمان من الغلب والإعتداء ـ كما يشير إلى ذلك سياق كلامه ـ عليه السلام ـ في ذيل هذه الفقرة ـ وربما ورد على الخاطر أنه باستعمال هذه الكلمة يلجأ إلى قوة لا تتأثر، كما أن الكهف لا يتأثر لانه في الجبل. وهناك بعض الخفايا التي ربما تطفح وتظهر أمام الذهن الحاذق..

​وهذا اللجوء لا يكون عادة إلاّ عند الضرورة، عندما تنسدّ المنافذ أمام الإنسان ويتعذر الإلتجاء إلى أحد إلاّ إلى الله عندما يخذل الصديق، وتقل الحيلة ـ كما ورد ذلك في دعاء آخر له ـ عليه السلام ـ في يوم كربلاء وهو قوله: ( أللهم أنت ثقتي في كل كرب ؛ ورجائي في كل شدّة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من كرب يضعف منه الفؤاد !؟ وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو أنزلته بك وشكوته إليك رغبة مني فيه إليك عمّن سواك، ففرّجته وكشفته وكفيته، فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة ).

​أما ( المذاهب ) التي وردت في هذا النص فالمقصود بها الطرق التي يسلكها الإنسان للنجاة من الخطر الذي يحدق به من كل مكان، فكأنه يقول: إن سعة هذه المذاهب وهي سعة الأرض قد تضيق على الإنسان، وذلك بجوره وإسرافه على نفسه وبفعل أنانيته التي ترديه في مهاوي الردى، وينقلب السحر على الساحر فلا يبقى أمام الإنسان والحال هذه إلاّ الإلتجاء إلى الله، ويواصل هذا المعنى بقوله: ( وتضيق عليّ الأرض بما رحبت ) فإن الأرض هي الأرض لا تزيد ولا تنقص، ولا تتمدد فكيف تضيق الأرض على الإنسان بما رحبت وهي جامدة؟.

​يتراءى ذلك للإنسان عندما يلم به الخطب المهول، ويعجز عن حل مشكلة تدهمه سواءً كانت بصورة مفاجئة أو غير ذلك، وتتعقد الأمور، ويقف عقله حائراً لا يدري من أين يبدأ في حلّ هذه المشكلة التي أطاشت عقله وأذهبته.

​وفي معنى قوله تعالى: ﴿وضاقت عليكم بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾ وقوله تعالى: ﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم﴾ قال البيضاوي برحبها أي بسعتها، لا تجدون فيها مفراً تطمئن إليه نفوسكم من شدة الرعب، أو لا تثبتون فيها كمن لا يسعه مكانه.

​وقال الشيخ في التبيان ﴿وضاقت عليكم الأرض بما رحبت﴾ معناه ليس فيها موضع يصلح لكم لفراركم من عدوكم، والضيق مقدار ناقص عن مقدار. والرحب السعة في المكان، وقد يكون في الرزق والسعة في النفقة، ولكن ليس المقصود في الآية ذلك. وقد نزلت هذه الآية في يوم حنين، وذلك لمّا انهزم المسلمون ولم يبق مع النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ إلاّ تسعة نفر من بني هاشم، أيمن بن أم أيمن، والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب في آخرين، فأخذ النبي كفاً من الحصباء فرماهم به وقال: شاهت الوجوه. فانهزم المشركون.

​وقال في التبيان في تفسير الآية الثانية: ﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت﴾ الضيق ضد السعة، ومنه ضيق الصدر خلاف إتساعة بالهم الذي يحدث فيه فيشغله عن غيره. ومعنى ﴿بما رحبت﴾ أي بما اتسعت، ومنه مرحباً وأهلاً أي رحبت بلادك وأهلت. وضيق أنفسهم هاهنا بمعنى ضيق صدروهم بالهم الذي حصل فيها.


مقالات مشابهة