بماذا يستدل على وجوده تعالى ؟
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
ويتحدث الحسين في ذلك بإسلوب استفهامي مشوب بالتعجب بشكل غريب - كعادته في دعائه هذا ـ فيقول ( كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ؟ ) وذلك لتحقق الدور الباطل ؛ لأن الإستدلال عليه بما خلق يستلزم وجود المخلوق قبل الخالق .
وقد عرفوا الدور بأنه : هو وجود الشيء قبل وجوده ، أو توقف الشيء على نفسه ، أو يكون الشيء معلوماً قبل أن يكون معلوماً ، وهو يقع تارة بمرتبة واحدة ويسمى ( دوراً مصرحاً ) . ويقع أخرى بمرتبتين أو أكثر ، ويسمى ( دوراً مضمراً ) وهذا من نوع المحال ، وضرب من ضروب المستحيل .
وتوضيح ذلك : إن وجود الأشياء حادثة من الله ـ سبحانه وتعالى ـ وكذلك كل شيء حادث لا بد وأن يسبق بفاعله بالضرورة وذلك من باب ربط الأسباب بمسبباتها ، إذ لا يمكن أن يتساوى في الوجود من حيث الزمن الصانع والمصنوع ـ وإن كان كلاهما حادث ـ هـذه بالنسبة إلى المخلوقات . أما بالنسبة إلى الخالق فإنه لا شك في قدمه ؛ لأنه هو علة العلل ، وهو مسبب الأسباب .
فالإستدلال على وجوده بوجود الأشياء مع القول بحدوثها ينقطع لخلو الزمان منها حيناً من الأحيان ، وهذا ما أشار إليه تعالى ﴿ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا ﴾ قال في الميزان : لقد أتى على الإنسان قطعة محدودة من هذا الزمان الممتد غير المحدود والحال أنه لم يكن موجوداً بالفعل مذكوراً في عداد المذكورات وهذه القطعة من الزمان محدودة قصيرة كانت أو طويلة ، والدهر الزمان الممتد من دون تحديد ببداية أو نهاية .
أما إفتقار الأشياء إليه سبحانه ـ كما صرحت بذلك العبارة المطروحة للبحث ـ فهو أمر لا ريب فيه ؛ لأنه هو الذي أوجدها ، فافتقارها إليه لوجودها ، وحاجتها إليه لخلقها دليل على أنها لا تصلح دليلاً مستمراً لإنقطاعها وعدم دوامها ، بل إن ذلك يقتضي العكس ، وهو أن وجودها محتاج إلى موجد . وقد مرّ في ابحاث الكتاب كثير في هذا المعنى ، وقد بحثنا ذلك ما فيه الكفاية .
ثم يواصل ـ عليه السلام ـ الكلام على هذا النحو فيقول ( أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ) وهذا مواصلة للكلام السابق ، إذ يخرج علينا ـ عليه السلام ـ بصيغة الإستفهام التي تقتضي التعجب ، فهو يستغرب أن يكون لشيء من مخلوقاته ظهور لا يكون له ، في حين أن جميع الأشياء تستمد ظهورها منه ، لأنه ـ سبحانه ـ قد وصف نفسه بأنه نور السماوات والأرض ، والنور هو المظهر للأشياء حتى يراها الإنسان - كما تقتضيه طبيعة هذا الكون - ولأنه هو الذي أوجدها ، وأفاض عليها كل ما تحتاج إليه من حياة وغذاء وظهور ؛ فكيف يكون المحتاج في الظهور إلى غيره مظهراً لغيره ، بل ومظهراً لمن أظهره ، أو موجداً لمن أوجده ، وهذا مما يستحيل في منطق العقل ويمجه العقل .
وفي ضمير الفصل ( هو ) معاني بلاغية ، وهي أنه من حق الجمل إذا ترادفت ووقع بعضها اثر بعض في معان متقاربة أن تربط لتكون على نسق واحد ، ولكن قد يعرض لها ما يوجب ترك الرابط فيها ، ويسمى هذا فصلاً . فأحياناً تتقارب الجمل في معناها تقارباً تاماً ، حتى تكون الجملة الثانية كأنها الجملة الأولى ، وقد تنقطع الصلة بينهما ، أما لإختلافهما في الصورة ، كأن تكون إحدى الجملتين انشائية ، والأخرى خبرية ، وإما لتباعد معناهما بحيث لا يكون بين المعنيين مناسبة ، وفي هذه الأحوال يجب الفصل في كل موضع من مواضع الفصل . وضمير الفصل في العبارة المطروحة ما بعده يعني ما قبله ؛ ولذلك أقحم هذا الضمير بين الجملتين المتقاربتين في المعنى .
وفي ختام هذا البحث جرت هذه الأبيات :
بك أستدل عليك حين أبرهن أنت العليم بما أسر وأعلنُ
يا أيها الرب الجليل أعزني أنا في الثناء عليك عبد ألكنُ
إن قلت خلقك دلني فكأنما شططاً أقول وقولتى لا تحسن
دور صريح وهو قول باطل بين الأنام وفي النهى مستهجنُ
يا رب أنت خلقتني وبرأتني قد كنت في الدنيا وأنت مكونُ
فارحم ضعيفاً يا قوياً قاهراً والطف فانت على الوجود مهيمن
خذ بي إلى درب الصواب فإنني لولاك ما بين البرية ألعنُ
