كلام الحكماء حول واجب الوجوب "تعالى"
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
( فلا إله غيره ) . هذه هي الكلمة التي فطر الله الناس عليها ونادت بها الأنبياء الذين بعثهم الله لكي يخرجوا الناس من الظلمات إلى النور . وهي من أهم الأبحاث عند علماء الكلام .
فلا شك أن واجب الوجود واحد لا تعدد فيه ، وللعلماء من أهل الفرق الإسلامية طرق في الإستدلال بعضها أوضح من بعض .
وقد أستدل الحكماء منهم أن وجوده وتعينه غير خارجين عن ذاته ، وإلا لزم أن يكون معلولين لها ، والعلة ما لم تكن موجودة معينة إستحال أن توجد غيرها ، بل عينها . فلو تعدد الواجب حصل فيه اشتراك وافتقر إلى مميز غير عام الحقيقه ، وغير عارض لعدم خروج كل من الوجود والتعين عن ذاته ، بل جزئه ، فيلزم التركيب الملزوم للإمكان ، يكون ممكناً ، وقد ثبت أنه واجب لذاته .
وأما المتكلمون فاحتجاجهم على عدم الإحتياج إلى العلة لا يسلم من خدش حيث قالوا بزيادة وجود الواجب على ذاته فيكون الوجود إعتبارياً عقلياً ، وزيادته على الماهية ، وافتقاره إليها إنما هو في الذهن ؛ نظراً إلى أن المفتقر إلى الغير إنما يكون ممكناً مما له عين خارجة . . إلخ .
ولغموض هذا الكلام عدل المتكلمون عن تلك الطريقة إلى برهان التمانع المشار إليه في القرآن في غير آية ، كقوله تعالى : ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ .
وقوله تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ .
ومعناه أنه لو أمكن الأمان مع تساويهما في الصفات وتساوي الممكنات بالنسبة إليهما لم يقع منهما شيء ولم يقع هذا النظام للعالم ؛ لأنه كالشخص الواحد ؛ لأن المؤثر إما أن يكون كل واحد منهما ، فتجتمع علتان على معلول واحد شخصي ، وإلا فيلزم الترجيح من غير المرجح ، أي انتصار أحد الإلهين على الآخر ، مع تساويهما في الذات والصفات وهذا غير ممكن .
وبمعنى آخر أوضح أنه لو أمكن ذلك ؛ لأمكن أن يريد أحدهم حركة زيد والآخر سكونه ، لإمكان كل منهما في نفسه ، فمع الإرادتين إما أن يقعا معاً ، فيجتمع الضدان ( الحركة والسكون ) ، أولاً ، فيلزم عجزهما مع اجتماع الضدين ووقوع المرادين من حيث لا يقعان أو عجز أحدهما ، وفي العجز شائبة الإحتياج ، وأيضاً يلزم الترجيح من غير المرجح ؛ لأنهما متساويان في الكمال .
وبالجملة فجميع الأدلة العقلية لهذا المطلب قابلة للمناقشة فيها ، ولا تخلو من أخذ ورد ، ونقض وإبرام ، وثبوت كلام في يوم لا بد وأن ينتقض في يوم آخر وبالعكس .
فالأولى الإعتماد على السمع ولا يلزم الدور ـ كما توهمه البعض ـ لأنه كلام من ثبتت إلهيته، ولقد نفي الشريك عن نفسه فقال عز من قائل : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ .
وما تقدم في الآيتين مع اشتمالهما على الإستدلال بما ذكرناه ،وكثير غيرهما من الآيات المنتشرة في الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . وقول عليّ « عليه السلام » لابنه الحسن « عليه السلام » : ( إنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله ، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ) فهو وإن كان من باب دليل الخطاب إلا أنه في قوة البرهان ، وجاء في الدعاء الذي بين أيدينا قوله « عليه السلام » : ( كيف يستدل بما هو مفتقر في وجوده إليك ، عميت عين لا تراك ، وكنت عليها رقيبا ) .
والمثل والعديل كلها ألفاظ تعطي معنى الشريك ، وقد سبق نفي الشريك عنه تبارك وتعالى بالدليل السمعي والعقلي ، وهناك الأدلة الأخرى التي لا يقوم لها شيء ، ولا يردها شيء . على أن الشريك إذا أخذ بحسب المعنيين السابقين ( العديل والمثل ) فإنه الوجدان يشهد بعدم وجودهما ، وما لأوهام التي تعلق بذهن الإنسان إلا من تصوراته الخاطئة التي لا وجود لها إلا في الذهن . كما مثل لذلك علماء الميزان .
فهو تبارك وتعالى منزه عن العديل والمثل والشريك وعن كل نقص ينافي كمال وجوده كالند خلافاً للبهشمية الذين جعلوا ذاته مساوياً لذات غيره ، وعن التركيب خلافاً للغلاة والحشوية ، وعن الحاجة للنقص ، وعن الجوهرية لا بمعنى ذات الشيء ، خلافاً لبعض النصارى ، والضد والإتحاد بمعانيهما ، خلافاً لبعض الصوفية .
