حَوْلَ سُورَةِ بَرَاءَة

 

الشيخ عباس الريس 

في هذه السورة نزلت براءة الحكم ببطلان العهد ورفع الأمان عن جماعة من المشركين كانوا قد عاهدوا المسلمين ثم نقضه أكثرهم ولم يبق إلى من بقي منهم وثوق تطمئن به النفس إلى عهدهم وتعتمد على يمينهم وتأمن شرهم وأنواع مكرهم، قاله في الميزان.

​ونقل عن تفسير القمي في قوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله﴾: حدثني أبي عن محمد بن الفضل عن ابن أبي عمير عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبدالله ـ عليه السلام ـ قال: أنزلت هذه الآية بعد ما رجع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ من غزوة تبوك في سنة تسع من الهجرة قال: وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ لما فتح مكة لم يمنع المشركين الحج في تلك السنة وكان سنة من بين العرب في الحج أنه من دخل مكة وطاف البيت في ثيابه لم يحل له إمساكها، وكانوا يتصدقون بها ولا يلبسونها بعد الطواف فكان من وافى مكة يستعير ثوباً ويطوف فيه ثم يرده، ومن لم يجد عارية ولا كرياً ولم يكن له إلا ثوباً واحداً طاف بالبيت عارياً.

​وجاءت امرأة من العرب وسيمة جميلة فطلبت ثوباً عارية أو كرياً فلم تجده فقالوا لها: إن طفتي في ثيابك احتجت أن تتصدقي بها فقالت: كيف أتصدق وليس لي غيرها؟ فطافت بالبيت عريانة وأشرف لها الناس فوضعت إحدى يديها على قبلها والأخرى على دبرها وقالت شعراً:

اليوم يبدو بعضه أو كله

فما بدا منه فلا أحله

​فلما فرغت من الطواف خطبها جماعة فقالت ان لي زوجاً.

​وكانت سيرة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ قبل نزول سورة براءة ألا يقاتل إلا من قاتلهم ولا يحارب إلا من حاربه وأراده، وقد كان أنزل عليه في ذلك: ﴿فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم والقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً﴾ فكان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ لا يقاتل أحداً قد تنحى عنه واعتزله حتى نزلت عليه سورة براءة، وأمره بقتل المشركين من اعتزله ومن لم يعتزله إلا الذين قد عاهدهم رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يوم فتح مكة إلى مدة، منهم صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، فقال الله ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين. فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ثم يقتلون حيث ما وجدوا بعد. هذه أشهر السياحة عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشراً من ربيع الآخر.

​فلما نزلت الآيات من سورة براءة دفعها رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ إلى أبي بكر وأمره أن يخرج من مكة ويقرأها على الناس بمنى يوم النحر فلما خرج أبو بكر نزل جبرئيل على رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فقال: يا محمد لا يؤدي عنك إلا رجل منك.

​فبعث رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في طلب أبي بكر فلحقه بالروحاء وأخذ منه الآيات فرجع أبو بكر إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فقال يا رسول الله، أنزل الله فيَّ شيئاً؟ فقال: لا ان الله أمرني أن لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني.

​وفي تفسير العياشي عن حريز عن أبي عبدالله ـ عليه السلام ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ بعث أبا بكر مع براءة إلى الموسم ليقرأها على الناس فنزل جبرئيل فقال: لا يبلغ عنك إلا علي فدعا رسول الله علياً وأمره أن يركب ناقته العضباء، وأمره أن يلحق أبا بكر فأخذ منه براءة وقرأها على الناس بمكة فقال أبو بكر: أسخط؟ فقال: لا إلا أنه أنزل عليه أنه لا يبلغ إلا رجل منك.

​فلما قدم رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ مكة وكان يوم النحر بعد الظهر وهو يوم الحج الأكبر قام ثم قال: إني رسول الله إليكم فقرأها عليهم: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشراً من شهر ربيع الآخر، وقال: لا يطوف بالبيت عريان ولا عريانة ولا مشرك بعد هذا العام، ومن كان له عهد عند رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فمدته إلى هذه الأربعة الأشهر.



مقالات مشابهة