رعاية الله للإنسان وتربيته مستمرة

الشيخ عباس الريس 




 ثم ذكر «عليه السلام» تمام النعمة الذي تفضل به عليه، فذكر نعمة التربية التي فيها شمول الرعاية والحنان، ومراعاة المصلحة التامة للإنسان.

​وفي هذا التطور زيادة الطاقات بعد نقصها، ومنها القوة بعد الضعف، والعلم بعد الجهل.

​ويختلف عمر الإنسان باختلاف حجمه تبعاً للوحدة المستعملة في قياسه. فيكون طويلاً حينما يقارن بعمر الجرذان، والفراشات، وقصيراً حينما يقارن بعمر شجرة البلوط، وتافهاً إذا وضع في إطار تاريخ الأرض.

​وإذا قلنا: بأن الإنسان تختلف مراحل عمره، فنحن نشبهه بحركة عقارب الساعة حول الميناء. ونشبهه أيضاً بمرور هذه العقارب في فترات متفاوته، هي الثواني والدقائق والساعات.

​ويطابق زمن الساعة حوادث معينة متناسقة، مثل دوران الأرض حول محورها، وحول الشمس.

​فعمرنا إذاً يعبّر عنه بوحدات من الزمن الشمسي، ذلك لأن الساعة التي تقيس هذا الزمن يتساوى عندها يوم الطفل ويوم الدابه.

​وحقيقة الأمر أن تلك الأربع والعشرين ساعة تمثل جزءاً صغيراً من مستقبل الطفل، وجزءاً أكبر كثيراً من مستقبل والديه طرداً وعكساً (بالنسبة لمستقبل عمر الطفل، وبالنسبة لماضي الرجل الطاعن في السن). وبذلك نقول أيضاً: إن فترة التربية التي يحددها الباحثون من علماء نفس الطفل هي أخطر المراحل التي يمر بها في طريق عمره، والتي يحسبون لها حساباً هاماً؛ لأنها مرحلة تربوية هامة، محدد مسار الطفل ليشق طريقه في هذه الحياة، ويعرف كيف يتعامل مع مستجدات الأمور، ومستقبل حوادثها الغامضة. وفي البلدان الراقية عملوا على الإهتمام بحياة الطفل الأولى، فنرى أن المراحل التعليمية والتربوية تسلم إلى علماء حاذقين بنفس الطفل، أكفاء في ذلك الميدان، لكي يبنوا الإنسان بنيةً صلبةً صحيحة مستقيمةً، غير قابلة للإنحراف والتعجرف أمام المؤثرات الخارجية.

​والتربية عند المسلمين هي مسؤولية كبيرة يطرحها: الشارع المقدس على عاتق الجميع من الناس، والمؤسسات التعليمية والاجتماعية.

​هذا ولم يبرىء الإنسان نفسه من تحمل قسم كبير من هذه المسؤولية. وعلى هذا يجب مراعاة المفاهيم التربوية كل في حدود إمكانه.

​وبهذا المفهوم جاء الحديث النبوي الشريف (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته). وهذه الرعاية، والمسؤولية المشار إليها في هذا الحديث هي بمعنى التهذيب والإنضباط الأخلاقي، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهي تسير في معية عمر الإنسان في جميع مراحله من ولادته إلى موته.

​وهذا ما أشارت إليه فقرة الدعاء المطروحة أمامنا (فربيتني زائداً في كل عام).

​فمعنى الكلية في كلامه «عليه السلام» هو الشمول لعمر الإنسان، وربما حصل توجيه آخر في كلامه فاشار به إلى فترة محددة من العمر يبلغ فيها الإنسان أشده، ويصل فيها إلى أوج قوته وعنفوانها فيقف عند ذلك الحد، ثم يستمر في التوقف عن الإستمرار في الزيادة، فإذا وصل إلى مرحلة أخرى من العمر أخذ في التراجع، والنقصان لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً.

​ولقد أشرنا قبل قليل إلى المسؤولية في نظر الإسلام، المتمثلة في الحديث النبوي الشريف الأنف الذكر، فقلنا: أن المسؤولية المطروحة من قبل الإسلام يخاطب بها:

​١ - الإنسان نفسه وذلك بفضل ما أعطاه الله من عقل وجسم، وافاض عليه القدرة في إستخدام العقل، والجسم، وبصره بالأمور، واوضح له الطريق، وبين له الحلال، واباحه له، وافاض عليه منه النعم، واحاطه بالخيرات، واكمل عليه حجته. وبين له الحرام، ونهاه عنه، وتوعده عليه بالعقاب (زيادةً لعباده عن نقمته، وحياشة لهم إلى جنته) فكان الإنسان بهذا قد وضحت له معالم الطريق، قال تعالى: ﴿ بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾.

​٢ - الوالدان وهما مسؤولان عن تربية ابنائهما لأن الله «تبارك وتعالى» قد أوجب طاعتهما على الولد، وقرنهما بطاعته، وقد أودع في قلبيهما الحنان، والعطف، والمحبة للولد، فينبغي للوالدين وهما أكثر فهماً أن يستغلا هذه العلاقة بينهما وبين ابنهما، لتنشئته تنشئةً صالحةً؛ ليعولا عليه عند الكبر وذلك لأنهما أقرب فهماً لابنهما من سائر الناس.

​٣ - القرين وينبغي أن نعرف بأن قرين المرء له أثر كبير في تربية الإنسان فهو يأخذ منه أقوالاً وافعالاً ويقتدي كل منهما بصاحبه وربما تغلب أحدهما على الآخر، نظراً لعملية التأثير في النفس وبالاسلوب المعقول وقد أطرى الشعراء كثيراً في هذه الناحية، ووصف العلاقة بين القرين والقرين بأنها ذات أثر بالغ في حياة الإنسان الإجتماعية فقال أحدهم:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه      فكل قريـن بالمقـارن يقتـدي

​وفي أبيات منسوبة لامير المؤمنين «عليه السلام» قال:

فلا تصحب أخا الجهـل      وإيـاك وإيـاه

فكم من جاهـل اردى      حليماً حيـن آخـاه

يقـاس المـرء بالمـرء      إذا مـا هـو مـا شـاه

وللقلـب علـى القلـب      دليـل حـيـن يلقـاه

​وقال أبو تمام:

اصحب أخا ثقة تحظ بصحبته      فالطبع مكتسب من كل مصحوب

كالريـح آخذةً ممّـا تمـرُّ بـه      نتناً من النتن أو طيباً من الطيب

​وقلت أنا من جملة أبيات في هذا المعنى:

لا تصحبن من الأنام سوى الذي      تحيـا بـه بيـن الأنـام وتسعـد

إن تدعـه لنبـاك تلفيـه امـرء      شهم، ولكن في المصائب يعضـد

يفديك يـوم الـروع فعـل أخـوة      فكـأن فعلـك فعلـه بتـوحـد

​٤ - المؤسسات الإجتماعية وهذه لها أثر كبير أيضاً في تهذيب الإنسان وتربيته فإن كانت صالحة كان الإنسان صالحاً والعكس بالعكس؛ لأنه جزء لا يتجزأ منها. فدور التعليم، والحضانة والرعاية، والاندية كلها مؤسسات لها أهمية في تأصيل الأخلاق، وضبط سلوك الإنسان، وتصرفه مع الآخرين.

​٥ - المجتمع العام الذي يعتبر الإنسان لبنة في بناء صرحه الشامخ.

ويحكم التركيبة الاجتماعية المتغايرة في الهوايات، والهويات بكون الإنسان والحال هذه في دوامة من الأفكار التي تناقض بعضها بعضاً، فعليه والحال هذه أن يتأمل في هذه الأفكار الإجتماعية المطروحة التي تسابق بعضها بعضاً.

​وبذلك يكون المجتمع من أخطر الجهات المؤثرة على الإنسان سلباً وإيجاباً.

ثم ذكر «عليه السلام» تمام النعمة الذي تفضل به عليه، فذكر نعمة التربية التي فيها شمول الرعاية والحنان، ومراعاة المصلحة التامة للإنسان.

​وفي هذا التطور زيادة الطاقات بعد نقصها، ومنها القوة بعد الضعف، والعلم بعد الجهل.

​ويختلف عمر الإنسان باختلاف حجمه تبعاً للوحدة المستعملة في قياسه. فيكون طويلاً حينما يقارن بعمر الجرذان، والفراشات، وقصيراً حينما يقارن بعمر شجرة البلوط، وتافهاً إذا وضع في إطار تاريخ الأرض.

​وإذا قلنا: بأن الإنسان تختلف مراحل عمره، فنحن نشبهه بحركة عقارب الساعة حول الميناء. ونشبهه أيضاً بمرور هذه العقارب في فترات متفاوته، هي الثواني والدقائق والساعات.

​ويطابق زمن الساعة حوادث معينة متناسقة، مثل دوران الأرض حول محورها، وحول الشمس.

​فعمرنا إذاً يعبّر عنه بوحدات من الزمن الشمسي، ذلك لأن الساعة التي تقيس هذا الزمن يتساوى عندها يوم الطفل ويوم الدابه.

​وحقيقة الأمر أن تلك الأربع والعشرين ساعة تمثل جزءاً صغيراً من مستقبل الطفل، وجزءاً أكبر كثيراً من مستقبل والديه طرداً وعكساً (بالنسبة لمستقبل عمر الطفل، وبالنسبة لماضي الرجل الطاعن في السن). وبذلك نقول أيضاً: إن فترة التربية التي يحددها الباحثون من علماء نفس الطفل هي أخطر المراحل التي يمر بها في طريق عمره، والتي يحسبون لها حساباً هاماً؛ لأنها مرحلة تربوية هامة، محدد مسار الطفل ليشق طريقه في هذه الحياة، ويعرف كيف يتعامل مع مستجدات الأمور، ومستقبل حوادثها الغامضة. وفي البلدان الراقية عملوا على الإهتمام بحياة الطفل الأولى، فنرى أن المراحل التعليمية والتربوية تسلم إلى علماء حاذقين بنفس الطفل، أكفاء في ذلك الميدان، لكي يبنوا الإنسان بنيةً صلبةً صحيحة مستقيمةً، غير قابلة للإنحراف والتعجرف أمام المؤثرات الخارجية.

​والتربية عند المسلمين هي مسؤولية كبيرة يطرحها: الشارع المقدس على عاتق الجميع من الناس، والمؤسسات التعليمية والاجتماعية.

​هذا ولم يبرىء الإنسان نفسه من تحمل قسم كبير من هذه المسؤولية. وعلى هذا يجب مراعاة المفاهيم التربوية كل في حدود إمكانه.

​وبهذا المفهوم جاء الحديث النبوي الشريف (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته). وهذه الرعاية، والمسؤولية المشار إليها في هذا الحديث هي بمعنى التهذيب والإنضباط الأخلاقي، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهي تسير في معية عمر الإنسان في جميع مراحله من ولادته إلى موته.

​وهذا ما أشارت إليه فقرة الدعاء المطروحة أمامنا (فربيتني زائداً في كل عام).

​فمعنى الكلية في كلامه «عليه السلام» هو الشمول لعمر الإنسان، وربما حصل توجيه آخر في كلامه فاشار به إلى فترة محددة من العمر يبلغ فيها الإنسان أشده، ويصل فيها إلى أوج قوته وعنفوانها فيقف عند ذلك الحد، ثم يستمر في التوقف عن الإستمرار في الزيادة، فإذا وصل إلى مرحلة أخرى من العمر أخذ في التراجع، والنقصان لكي لا يعلم من بعد علم شيئاً.

​ولقد أشرنا قبل قليل إلى المسؤولية في نظر الإسلام، المتمثلة في الحديث النبوي الشريف الأنف الذكر، فقلنا: أن المسؤولية المطروحة من قبل الإسلام يخاطب بها:

​١ - الإنسان نفسه وذلك بفضل ما أعطاه الله من عقل وجسم، وافاض عليه القدرة في إستخدام العقل، والجسم، وبصره بالأمور، واوضح له الطريق، وبين له الحلال، واباحه له، وافاض عليه منه النعم، واحاطه بالخيرات، واكمل عليه حجته. وبين له الحرام، ونهاه عنه، وتوعده عليه بالعقاب (زيادةً لعباده عن نقمته، وحياشة لهم إلى جنته) فكان الإنسان بهذا قد وضحت له معالم الطريق، قال تعالى: ﴿ بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾.

​٢ - الوالدان وهما مسؤولان عن تربية ابنائهما لأن الله «تبارك وتعالى» قد أوجب طاعتهما على الولد، وقرنهما بطاعته، وقد أودع في قلبيهما الحنان، والعطف، والمحبة للولد، فينبغي للوالدين وهما أكثر فهماً أن يستغلا هذه العلاقة بينهما وبين ابنهما، لتنشئته تنشئةً صالحةً؛ ليعولا عليه عند الكبر وذلك لأنهما أقرب فهماً لابنهما من سائر الناس.

​٣ - القرين وينبغي أن نعرف بأن قرين المرء له أثر كبير في تربية الإنسان فهو يأخذ منه أقوالاً وافعالاً ويقتدي كل منهما بصاحبه وربما تغلب أحدهما على الآخر، نظراً لعملية التأثير في النفس وبالاسلوب المعقول وقد أطرى الشعراء كثيراً في هذه الناحية، ووصف العلاقة بين القرين والقرين بأنها ذات أثر بالغ في حياة الإنسان الإجتماعية فقال أحدهم:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه      فكل قريـن بالمقـارن يقتـدي

​وفي أبيات منسوبة لامير المؤمنين «عليه السلام» قال:

فلا تصحب أخا الجهـل      وإيـاك وإيـاه

فكم من جاهـل اردى      حليماً حيـن آخـاه

يقـاس المـرء بالمـرء      إذا مـا هـو مـا شـاه

وللقلـب علـى القلـب      دليـل حـيـن يلقـاه

​وقال أبو تمام:

اصحب أخا ثقة تحظ بصحبته      فالطبع مكتسب من كل مصحوب

كالريـح آخذةً ممّـا تمـرُّ بـه      نتناً من النتن أو طيباً من الطيب

​وقلت أنا من جملة أبيات في هذا المعنى:

لا تصحبن من الأنام سوى الذي      تحيـا بـه بيـن الأنـام وتسعـد

إن تدعـه لنبـاك تلفيـه امـرء      شهم، ولكن في المصائب يعضـد

يفديك يـوم الـروع فعـل أخـوة      فكـأن فعلـك فعلـه بتـوحـد

​٤ - المؤسسات الإجتماعية وهذه لها أثر كبير أيضاً في تهذيب الإنسان وتربيته فإن كانت صالحة كان الإنسان صالحاً والعكس بالعكس؛ لأنه جزء لا يتجزأ منها. فدور التعليم، والحضانة والرعاية، والاندية كلها مؤسسات لها أهمية في تأصيل الأخلاق، وضبط سلوك الإنسان، وتصرفه مع الآخرين.

​٥ - المجتمع العام الذي يعتبر الإنسان لبنة في بناء صرحه الشامخ.

ويحكم التركيبة الاجتماعية المتغايرة في الهوايات، والهويات بكون الإنسان والحال هذه في دوامة من الأفكار التي تناقض بعضها بعضاً، فعليه والحال هذه أن يتأمل في هذه الأفكار الإجتماعية المطروحة التي تسابق بعضها بعضاً.

​وبذلك يكون المجتمع من أخطر الجهات المؤثرة على الإنسان سلباً وإيجاباً.

مقالات مشابهة