يوسف الصديق بين الحرج والفرج
![]() |
| الشيخ عباس الريس |
وبداية هذه المحنة أن يوسف ـ عليه السلام ـ عندما أجمع إخوته على أن يلقوه في غيابة الجب ، هذه الأزمة بدأت بذلك التصرف الذي أضر بيوسف بدافع من الغيرة والحسد بسبب حب أبيه له مع أخيه . وذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب ، وكان عمقه سبعين ذراعاً ، وشفيره ضيقاً وأسفله واسعاً . وكان فيه قليل من الماء ، فجعلوا يجردونه من قميصه ، وهو يتوسل بهم أن يتركوه عليه ، ليتوارى به ، وهم في جوابهم يقولون مستهزئين به . ادع الشمس والقمر والكواكب الأحد عشر يوارونك ويؤنسونك يا صاحب الرؤيا الكاذبة ، أين الكواكب الذين رأيتهم لك ساجدين حتى يخلصوك من أيدينا ؟ إلى أن جردوه من قميصه ودلّوه في البئر عارياً ، ولما بلغ نصف البئر قطعوا الحبل وأسقطوه إلى قعره رجاء أن يموت بسقوطه ، فأوى يوسف ـ عليه السلام ـ بصخرة كانت بقعره ، وقام عليها ونادى إخوته وقال لهم : ( إن لكل ميت وصية ووصيتي إليكم إذا رجعتم إذكروا وحدتي ، وإذا أمنتم فاذكروا وحشتي ، وإذا طعمتم فاذكروا جوعي ، وإذا شربتم فاذكروا عطشي ، وإذا رأيتم شاباً فاذكروا شبابي يا إخوتي ) إلى آخر ما يناديهم به من أمثال ذلك وهو يختنق بعبرته إلى أن قال : ( إقرأوا يعقوب عني السلام ) .
|
وأقام يوسف ليلته في البئر يبكي ويناجي ربّه بقوله : ( يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، إرحم ضعفي وقلة حيلتي ، وصغري ، ولم يزل كذلك حتى مكث في الجب ثلاثة أيام ، يؤنسه جبرائيل ـ عليه السلام ـ ويطعمه من ثمار الجنة . ولما كان اليوم الرابع مرت بقرب الجب قافلة كان أصحابها قد خرجوا من قِبل مدين يريدون مصراً ، فأخطؤا الطريق ، وانطلقوا يهيمون حتى نزلوا بقرب البئر ، وكانت البئر بعيدة عن العمران عميقة القعر ـ ثم بعث القوم رجلاً إسمه مالك إلى الجب فأدلى دلوه فيه ليستسقي الماء ، فتشبث يوسف ـ عليه السلام ـ بالدلو ، ولما سحب مالك وأصحابه الدلو وأخرجوه إذا بغلام من أحسن الناس خلقة وأصبحهم وجهاً كأنه البدر ليلة تمامه وكماله ؛ وأعجب مالك وأصحابه بحسن يوسف ـ عليه السلام ـ وصباحة منظره ، وأحبه حباً شديداً ، ونادى في أصحابه بالبشارة كما قال تعالى : ﴿وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام﴾(٥) وعزم مالك ورفاقه على إخفائه عن زملائهم من التجار الذين بعثوا بهم إلى الماء ﴿وأسروه بضاعة﴾ لهم حذراً من شراكة سائر التجار لهم فيه ( والله عليم بما يعملون ) . |
