صفة العلم

الشيخ عباس الريس 


في كونه تعالى عالما وهي (أي هذه الصفة) من أجل الصفات، وقد استدل على إثباتها له سبحانه وتعالى بأنها أعلى صفات الكمال الموجودات فيجب إتصافه سبحانه بها وإلا فإن معلوله الممكن أشرف وأتم منه لثبوته له بالضرورة، والمشهور في الإستدلال على ذلك بين المتكلمين والحكماء إشتمال أفعاله على لطائف الصنع وبدائع الترتيب والأحكام التي تحير فيها العقول والأفهام وبأنه مجرد قادر فاعل بالقصد والإختيار، ولا يتصور ذلك بدون العلم بالمقصود وبأنه مجرد عن المادة والمدة وبأنه عالم بذاته لعدم غيبة ذاته عنه والعلم هو حضور الماهية المجردة، وإذا علم بذاته علم ما عداه لكونه مبدىء لغيره إما بواسطة أو بدون واسطة والعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلوم.

​ثم استدل رحمه الله على هذا الكلام بروايات وردت عن أهل بيت العصمة - سلام الله عليهم - تشير إلى ذلك فقال في صحيح أبي بصير قال: سمعت أبا عبدالله - عليه السلام - يقول: لم يزل الله - عز وجل - ربنا والعلم ذاته لا معلوم، فلما أحدث الأشياء وقع العلم منه على المعلوم. وصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: سمعته يقول: كان الله ولا شيء غيره ولم يزل عالما بما يكون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه.

​وصحيح أيوب بن نوح، إنه كتب إلى أبي الحسن - عليه السلام - يسأله عن الله - عز وجل - أكان يعلم الأشياء قبل أن خلق الأشياء؟ أو لم يعلم ذلك حتى خلقها وأراد خلقها وتكوينها، فعلم ما خلق عندما خلق، وما كون عندما كون؟

​فوقع بخطه: لم يزل الله - تعالى - عالما بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء، كعلمه بالأشياء بعد خلق الأشياء.

​وخبر جعفر بن محمد بن حمزة: قال كتبت إلى الرجل أسأله ان مواليك إختلفوا في العلم فقال بعضهم: لم يزل الله عالما؛ لأن معنى (يعلم) يفعل فإن أثبتنا العلم فقد أثبتنا في الأزل معه شيئا فإن رأيت - جعلني الله فداك - أن تعلمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه. فكتب عليه السلام بخطه: لم يزل الله عالما - تبارك وتعالى.

​ومما تقدم من الكلام والأخبار كفاية ودليل على أنه - سبحانه وتعالى - عالم لم يزل وكل هذا مبنى على أن صفاته عين ذاته، وهذا معنى الخبر المتقدم الوارد عن الحجة - عجل الله فرجه الشريف - : (لم يزل الله عالما - تبارك وتعالى -) ولا يأتي الإشكال المطروح في قوله في صدر السؤال: (فإن أثبتنا العلم فقد أثبتنا في الأزل معه شيئا) وذلك لأنه لا يمكن فصل الصفات عن الذات. وفي بحث هذا الموضوع كلام طويل أسهب فيه الحكماء من أراد التفصيل فليرجع إلى ما قالوا في الكتب الكلامية المطولة.

​ومما تقدم يظهر لك معنى قوله - عليه السلام - : (يا من لا يعلم ما يعلمه إلا هو).

​ثم إنه من بعد هذا قد يظهر من قوله - عليه السلام - : (يا من لا يعلم ما يعلمه إلا هو) مطابقة معنوية بقوله - تعالى - : (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين).

​فقد ذكر المفسرون لهذه الآية: إن ذلك مسوق لبيان إنحصار العلم بالغيب فيه تعالى، إما لأن مخازن الغيب لا يعلمها إلا الله، وإما لأن مفاتيح الغيب لا يعلمها غيره تعالى فلا سبيل لغيره إلى تلك الخزائن، إلا علم إذ لا علم له بمفاتيحها التي يتوصل بها إلى فتحها والتصرف فيها كما أن شمول علمه تعالى بكل شيء أعم من أن يكون غيبا أو شهادة، فإن كل رطب ويابس لا يختص بما يكون غيبا، وهو ظاهر، فالآية بمجموعها تبين شمول علمه تعالى بكل غيب وشهادة، غير أن صدرها يختص ببيان علمه بالغيوب وذيلها ينبىء عن علمه بكل شيء أعم من الغيب والشهادة.

​وحقيقة السبب في اختصاص العلم بالغيب به تعالى أن غيره تعالى أيا ما كان محدود الوجود لا سبيل له إلى الخارج منه، الغائب عنه من حيث أنه غائب، ولا شيء غير محدود ولا غير متناه محيط بكل شيء إلا الله سبحانه فله العلم بالغيب.

​فمعنى علمه بالغيب والشهادة أنه لا غيب بالنسبة إليه، بل الغيب والشهادة اللذان يتحققان فيمن بين الأشياء بقياس بعضها إلى بعض وأن الذي يمكن أن علم به أرباب العلم، وهو الذي لا يخرج عن حد وجودهم، والذي لا يمكن أن يعلموا به المكونة غيبا خارجا عن حد وجودهم هما معا معلومان مشهودان له تعالى لإحاطته بكل شيء.

​فقوله - عليه السلام - : (لا يعلم ما يعلمه إلا هو) إشارة إلى علم الغيب الذي يختص بعلمه تعالى دون غيره من سائر المخلوقات، لأن الإنسان يعلم ماضي أيامه وحاضرها ويعلم شاهدها دون غائبها، فالمستقبل المجهول والأشياء الغائبة ليس له إلى معرفتها سبيل.

​فإن الإنسان وهو أكرم الموجودات عند الله - خلقه الله ناقصا في عقله، ناقصا في سمعه وبصره، ناقصا في قوته، ناقصا في جميع حواسه، ناقصا في علمه، فلا يمكنه بهذه الحال أن يكون كاملا.


مقالات مشابهة