الطاقة وعلاقتها بالكتلة

 

الشيخ عباس الريس 


الطاقة هي القوة التي تدفع الإنسان إلى إنجاز عمل معين يستهلك جهداً كبيراً ، ومعنى ذلك أنه مقابل هذه القوة الدافعة تحترق أجزاء من جسم الإنسان من الدم والخلايا لكي تتولد الحرارة التي تتولد منها الطاقة وهذا ما عبّروا عنه بتحول الكتلة إلى طاقة ، وهذا المعنى كما تعارف عليه أهل اللغة كذلك وردت له معانٍ أخرى في المصطلحات العلمية .

​فمنها ما جاء في علم الفيزياء وتعلقها بالكتلة . ففي مجال تحول الكتلة إلى طاقة يبحث هذا الموضوع في أطار ( القانون الرابع ) من قوانين النظرية النسبية للعالم الفيزيائي أنشتين وقد بني هذا القانون على استبعاد عالم الأثير ، وهو الوسط الذي ينتقل فيه الضوء من مكان إلى مكان عبر المسافات الشاسعة في هذا الكون الرحيب .

​أما ما جاء في هذا القانون فهو أنه قد أدخل في هذا المجال مفهوماً جديداً يفسر الظواهر ( الكهرو مغناطيسية ) كلها وينسجم مع النظرية النسبية وهذا المفهوم الجديد يسمى بالمجال ( الكهرومغناطيسي ) ومعنى ذلك : أنه بحسب هذا القانون أن الظواهر هذه ـ والضوء هو إحدى هذه الظواهر ـ هي ليست مجرد ظواهر وإنما هي أشياء مادية ، أي أن الضوء مادة تخرج من مصدرها ، وتسير في الفضاء حتى تقع في عين الرائي ، وبعبارة أخرى تقول النظرية النسبية : بأن للضوء كتلة ، ولا تكتفي بل تقول : بأن لكل طاقة كتلة مهما كانت هذه الطاقة قليلة أم كبيرة ، ومعنى ذلك أن المصباح ذا البطارية الجافة الذي تحمله في يدك في الليل إذا ما سرت في الظلام يفقد من وزنه شيئاً فشيئاً وأنت تضيؤه بسبب كتل الضوء التي تخرج منه . وكأنما يريد أن يقول صاحب هذا القانون إن للضوء وزناً ، وبعد أن شطب على الأثير لم يكن أمامه إلا أن نقول إن الضوء مادة ذات كتلة ووزن ، وإذا كنا نحصل على أرقام ضئيلة إذا ما أردنا أن نقيس كتل الظواهر ( الكهرومغناطيسية ) الموجودة على الأرض ، فإننا عندما نحاول أن نقيس هذه الظواهر في أجرام فلكية كبيرة سنجد أرقام ضخمة جداً . فالشمس مثلاً تفقد من الضوء والحرارة كل يوم ما مقداره ( ٤ × ١٠ ) ١١ أي أربعة أمامها أحد عشر صفراً من الأطنان وإذا قلنا بأن الضوء يسير على شكل موجات يجب علينا أن نعلم بأن هذه الموجات تختلف عن موجات الصوت إختلافاً جذرياً ، وهذه أيضاً تختلف عن موجات الماء ؛ لأن هذه هي إرتفاعات وإنخفاضات متناسقة في ترتيب جزيئات الماء ، أي أن الجزىء يكون مرة في أعلى الموجة ثم ينحدر إلى أسفل ، ويصعد إلى أعلى الموجة الأخرى ، والشيء نفسه يقال عن موجات الصوت .

​أما موجات الضوء فشيء ينتقل من مكان إلى آخر ، وهو بذلك كالأفعى التي تسير في موجات فيندفع جسمها كله إلى الأمام . وإذا كان الضوء كذلك كان معنى هذا أن لا لزوم بعد الآن لافتراض وجود الأثير كناقل لموجاته .

​ونحن إذا قلنا بأن للضوء كتلة في هذا المجال إنما نتخذه مثالاً فقط لأن الكلام نفسه ينطبق على جميع الظواهر ( الكهرومغناطيسية ) .

​ونستطيع أن نستنتج من هذا القانون أن مقدار الطاقة التي يمكن أن يزودها بها رطل إنجليزي واحد من الفحم تساوي ثلاثة أمامها ستة عشر صفراً قدماً ، وهذا ما يعادل مجموع الطاقة التي تولدها محطات القوى الكهربائية مجتمعة في أعظم بلدان العالم لمدة شهر ، وبناءً على ذلك فإن ملء ملعقة صغيرة من الفحم تزود أكبر عابرات المحيط لتقطع المحيط الاطلسي ذهاباً وإياباً عدة مرات .

​ولنا أن نتساءل فنقول : ولكننا نحرق في الشتاء أرطالاً عديدة من الفحم والحطب فلا تكاد تكون كافيه لتدفئة المنزل ، ألا تطلق طاقة عند إحتراقها ؟

​أجل إن إحتراق الفحم يزودنا بطاقة ، ولكن عملية الإحتراق هي عملية كيماوية تغير في ترتيب الجزيئات ولا تفقدنا شيئاً منها ، والذي يحصل في عملية الاحتراق هو اتحاد الأكسجين بالفحم ، وينتج عن هذا الاتحاد انطلاق طاقة على شكل حرارة ، لكننا في الواقع لم نفقد شيئاً من كتلة أحدهما ، لا من كتلة الفحم ولا من كتلة الأكسجين .

​وما التفاعلات النووية إلا تحول الكتلة أو جزء منها إلى طاقة ، ونجد عندئذ أنها تعطينا ثلاث آلاف مليون مرة من الطاقة قدر ما تعطينا عملية الإحتراق ، ولكن التفاعلات النووية تختلف إختلافاً جذرياً عن الإحتراق والتفاعلات الكيماوية الأخرى .

​وقد بقيت طاقة الشمس التي كانت ولا تزال تعطينا هذه الطاقة منذ آلاف الملايين من السنين لغزاً من الألغاز حتى إكتشفت التفاعلات النووية ، وعرف العلماء قانون النسبية الخاصة حول تحول الكتلة إلى طاقة .

​وفي هذا البحث تفريعات كثيرة تركناها خوف الإطالة ، ولكنا نعود فنقول أن هذا العالم الرياضي والفيزيائي العبقري قد طرح هذه القوانين التي استغرب منها العلماء في أول الأمر ، ثم ما لبثوا إن عادوا بعد إستغرابهم إلى الإعجاب بهذه القوانين ، فأخذوا يصفقون إكباراً وإجلالاً لعظمة هذا المفكر العبقري الذي سبق علماء زمانه بأشواط بعيدة .

​ونقول : أنه إذا كان للإنسان أن يقف مشدوهاً أمام هذه القوانين التي أصبحت تتحدى الزمن وغيرت من حياة البشرية بما جاء فيها من المعادلات التي أثبتت أن للضوء وزناً ، وأن لموجات الصوت وزناً ، وأنه لم يكن هناك أثير ، وان التحولات الكيميائية والنووية جارية في المادة بشكل عادي فلنا أن ... للبشرية أن تفخر بمثل هؤلاء العظماء ، فيجب عليها أن تفخر ... عشرات القرون من أهل بيت العصمة الذين طرحوا هذه المفاهيم وأعظم منها ، والتي لا يزال جزء كبير منها سراً غامضاً ضمن أدعية وردت وأحاديث أثرت عنهم ( عليهم السلام ) .


مقالات مشابهة